المزيد  
بالفيديو.. للأسبوع الثاني على التوالي.. مظاهرة تطالب بإسقاط الأسد في الطبقة
عشرات العوائل تفر من مناطق داعش شرق الفرات
بالفيديو: مظاهرة غرب دير الزور تطالب بتخفيض سعر الخبز
قسد ترفض عرضاً من داعش بإبرام تبادل للأسرى شرق الفرات
تزامناً مع تردي الأوضاع.. ممثلون سوريون يغنون عن الواقع المعيشي
خلايا للمعارضة في منبج.. هكذا علق معارضون على شريط مصور نشرته قسد
تنظيم الدولة يتحرك مجدداً ويهاجم قسد شرق الفرات
تعرف (ي) إلى تداعيات "تفجير منبج" على خطة الانسحاب الأميركية

"من النهضة إلى الردة".. تحليل جورج طرابيشي لأزمات الثقافة العربية

 
   
11:51

http://anapress.net/a/108038035166559
مشاركة


"من النهضة إلى الردة"..  تحليل جورج طرابيشي لأزمات الثقافة العربية
جورج طرابيشي - أرشيفية من الانترنت

حجم الخط:

"ليس يتبدل ما في الأعيان ما لم يتبدل ما في الأذهان".. يمكن الارتكان إلى هذه العبارة للمفكر السوري الراحل جورج طرابيشي في تبيان الأهمية الجوهرية لمشروعه الفكري الذي لم يتوان خلاله على نقد أوجه القصور في الثقافة العربية، وتحليل الخطابات والبنى الفكرية والثقافية للمثقفين العرب منذ عصر النهضة وحتى الثقافة المعاصرة، وهي مشكلات لم تتبدل أو تتراجع لكنها ربما تضاعفت بشكل ما.

هذه التمزقات التي عانت منها الثقافة العربية ولا تزال ترزح تحت وطأتها كانت سببًا جوهريًا في "ثبات ما في الأعيان" وعدم تغير في الواقع العربي أو تقدمه ولو بضع خطوات.

في كتابه "من النهضة إلى الردة.. تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة" ينطلق طرابيشي في استكمال مشروعه في نقد أفكار المثقفين العرب في أزمنة مختلفة، يقترب في كتابه هذا من حيث الاعتماد على منهج التحليل النفسي بصورة ما مع مؤلَفه "المثقفون العرب والتراث.. التحليل النفسي لعصاب جماعي" إلا أنه في هذا الكتاب لا يقتصر على تحليل الرؤية الثقافية تجاه التراث وإنما تتنوع الأفكار التي يناقشها طرابيشي بتنوع المثقفين موضوع الحديث والنقد.

في تصديره للكتاب، يشدد طرابيشي على أهمية دور المثقف في تغيير الأذهان ودوره على مستوى المفاهيم وإحداث النهضة أولًا على مستوى الوعي، ونظرًا لأنه ينتمي إلى جيل "الرهانات الخاسرة" كما أسماه، وهو جيل راهن على القومية وعلى الثورة وعلى الاشتراكية ويراهن اليوم على الديمقراطية، لا لقيم ذاتية في هذه المفاهيم بل كمطايا إلى النهوض العربي وتجاوز الفوات الحضاري، الجارح للنرجسية في عصر تقدم الأمم. فإن طرابيشي يرى أن هذا الفشل يحدو بنا إلى التخلي عن استراتيجية البدائل نحو تبني آليات النهضة وهي آليات عقلية مادية.

يمضي طرابيشي في كتابه عبر عدد من المقالات التحليلية إلى تفنيد حجج واستراتيجيات المثقفين العرب وتوجهاتهم إزاء مسألة الفوات الحضاري للعرب، ونظرتهم إلى العولمة، والتغريب والخصوصية الثقافية، والانفتاح والانغلاق في الثقافة العربية، والنظرة إلى الآخر في التراث العربي الإسلامي، فضلًا عن نظرة الآخر للمسلمين والعرب، والسعي العربي الذي لم يتوج بالنجاح في تغيير الصورة الذهنية الراسخة عن تخلف العرب والمسلمين.

تبدُلات قاسم أمين

يحلل طرابيشي في مقاله "قاسم أمين.. عصر النهضة والجرح النرجسي، نسوية قاسم أمين وآلية التماهي مع المعتدى" المراحل الفكرية التي مرّ بها أمين في كتاباته، فقاسم أمين الذي دافع في كتابه "المصريون" عن الثقافة العربية والإسلامية باستماتة بعدما كتب الدوق داركور كتابًا تحامل فيه على الإسلام ومصر والمصريين، وحاول في كتابه إنكار كل ما ورد في كتاب داركور من تهم والدفاع عنها أحيانا، انقلب على منهجه ليمارس النقد في كتاب"تحرير المرأة" ويدحض ما حاول إثباته من قبل في كتابه السابق، ثم انتقل أمين إلى طور ثالث في كتابه "المرأة الجديدة" الذي تبنى فيه نزعة نسوية أكثر جذرية في قطيعتها مع الماضي وفي تحميلها إياه قسطًا من المسؤولية عن المظهر الأكثر تركزا لانحطاط الحاضر.

كتب قاسم أمين "المصريون" في الفترة ما بين 1893 و1894 وبعده بثلاث سنوات كتب "تحرير المرأة" وانقلب فيه على الأفكار التي دافع عنها في "المصريون" بشكل دفع البعض للجزم بأن كاتب تحرير المرأة ليس قاسم أمين وإنما الشيخ محمد عبده الذي كان على صداقة وطيدة معه في تلك الفترة، حتى أن محمد عمارة الذي صدر أعمال أمين الكاملة تبنى هذا الرأي نسبيًا لتبرير الانتقال المفاجئ والتناقض في المواقف مابين الكتابين إلا أن جورج طرابيشي يبرر هذا التحول بأن "المصريون" جاء بسبب "الجرح الأنتروبولجي" الذي عاناه قاسم أمين جراء النقد اللاذع الذي كتبه الدور داركور، وهو ما يظهر في عبارة قالها في كتابه "حينما قرأت كتاب دوق داركور مرضت عشرة أيام".

في "تحرير المرأة" حاكم قاسم أمين ذاته على الموقف الذي اتخذه من قبل في كتابه في "المصريون" ودعا إلى قراءة الواقع وعدم التهرب منه، انتقل من طور المنافحة إلى دور النقد، ونقض الآراء التي كان قد دافع عنها في كتابه "المصريون"

فبعد أن رسم أمين في "المصريون" صورة زاهية للحضارة العربية الإسلامية نظرية وممارسة، وبعد أن كان قد دان في "تحرير المرأة" ممارسة هذه الحضارة المفارقة لنظريتها، فإنه ينصرف في "المرأة الجديدة" إلى تجريد هذه الحضارة من محاسنها في النظرية والممارسة معًا وإحصاء مثالبها، هو تحول يصفه طرابيشي بأنه "تحول عن النرجسية إلى ضرب من النرجسية المضادة أو السلبية"، خصوصًا وأن أمين ينهي فصله الأخير من كتابه الأخير بقوله إن "مصر لن تكون مصرية إلا إذا تأوربت وتغربنت،  هذا هو الداء الذي يلزم أن نبادر إلى علاجه، وليس له من دواء إلا أن نربي أولادنا على أن يعرفوا شؤون المدنية الغربية ويقفوا على أصولها"، وهي دعوة إلى التغريب غير المشروط حسبما يصفها طرابيشي.

تغريب طه حسين     

ينطلق جورج طرابيشي في مقاله المعنون بـ"أتغريب أم تحديث..  طه حسين ومستقبل الثقافة في مصر" من مقولة طه حسين في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر": "علينا أن نصبح أوروبيين في كل  شيء.." لنقد خلط حسين ما بين الغائية والكيفية كسبيل للخروج من مأزق التخلف العربي، فضرورة الوصول لا ترادف حتمية الوصول، فأن نصبح أوروبيين في كل شيء معناه لايعني أن نتقدم كما تقدموا فحسب بل أن نحاكيهم ونحتذيهم حذو النعل للنعل في الكيفية التي تقدموا بها وفي الطريق التي ساروا عليها، ومن ثم يرى طرابيشي أن دعوة طه حسين هنا هي للتماهي اللامشروط مع الغرب، ومن ثم التنازل عن الهوية كي نصبح أوروبيين في كل شيء، وهو مطلب ينقض نقضًا عنيفًا مبدأ الهوية بينما التماهي الجزئي والمشروط قد يكون تدريبًا على حرية الهوية ولكن المحاكاة موقف عبودية.

ينقد طرابيشي الخلط بين التغريب والتحديث في كتاب طه حسين، فالتحديث مطلوب على كل المستويات وهو سيرورة على مستوى التماهي المشروط والجزئي والتدرجي ولكن التغريب سيرورة على مستوى الهوية نزعا وقلعا واستلابا، التغريب سلب للهوية والتحديث تطوير للهوية وإغناء.

فلسفة زكي الأرسوزي

يتعرض طرابيشي في مقاله "العرب من عصر البطولة إلى عصر الانحطاط.. قراءة تحليلية نفسية في فلسفة زكي الأرسوزي القومية" بالنقد والتحليل لفلسفة المفكر السوري زكي الأرسوزي، فإذا كان التأويل اللغوي للتجربة البعثية الرحمانية هو مايميز فكر الأرسوزي قياسا إلى غيره من المفكرين القوميين البعثيين فإن دعوته إلى العودة لمستودع تراث اللغة وليس إلى التراث ذاته هي التي تفرد له صوتا على حدة في جوقة المفكريين التراثيين.

فالأرسوزي يرى في التراث عامل انفصال لا اتصال من الرحم الأولى الني انبثق عنها أي اللغة، وإن كان الأرسوزي يفلح في تعقل الموصل إلى الرحم الأولى على أنه بعث أو ولادة ثانية وإحياء الماضي على أنه التقاء مع أصول الحضارة الحديثة ومقتضياتها إلا أن الصعوبة الحقيقية والكأداء التي يصطدم بها مشروعه في بعث الجاهلية الأولى هي تحديد الموقف من الإسلام فتحديد العصر الذهبي للعرب بأنه الجاهلية يعني أن الانحطاط بدأ مع الإسلام، ومن ثم يرى طرابيشي أن الموقف من الإسلام يمثل إشكالية في خطاب زكي الأرسوزي الفكري إذ يكيل له الثناء واللوم معًا.

انفتاح وانغلاق

يحلل طرابيشي إشكالية "الانفتاح والانغلاق في الثقافة العربية الإسلامية"، بالعودة إلى مقال لفرويد نشره عام 1917 والذي تناول فيه تأثير تقدم كشوف العلم على الإنسان وإصابته لجروج نرجسية هي الجرح الكسمولوجي نتيجة لنظرية كوبرنيكوس بأن الأرض ليست مركز الكون كما كان يسود الاعتقاد من قبل، يفصل طرابيشي بأن ثمة جروح أخرى أصابت الإنسان في نرجسيته، منها الجرح البيولوجي الناتج عن نظرية داروين بأن السلالة البيولوجية التي تحدر منها الإنسان هي السلالة الحيوانية، الجرح الثالث سيكولوجي وهو ناتج عن نظرية فرويد في التحليل النفسي التي تركز على أنه تحت سطح الوعي يكمن أوقيانوس اللاشعور، وقرارات الإنسان غالبا ما تكون متعينة بالعمق اللاشعوري أكثر منها بالسطح الشعوري، وثمة جرح رابع أنتروبولوجي أصاب الإنسان العربي على وجه الخصوص نتيجة لتأخر العرب وتقهقرهم أمام تقدم الحضارة الأوروبية، هذا الجرح الحضاري أوجد حاجة دفاعية إلى تضخيم الأنا وتحجيم الآخر ومن ثم جاء جزء كبير من أدبيات التاريخ والأنثروبولجيا الحضارية لبيان مديونية أوروبا للعالم العربي الإسلامي في نهضتها.

يلفت طرابيشي إلى أن مـأزق الحداثة العربية ومدخل متاهتها في أنها لم تطور موقفها الدفاعي إلى موقف نقدي ورغم ما أنجز في بدايات عصر النهضة العربي من كتابات نقدية منها لقاسم أمين وعبدالرحمن الكواكبي إلا أن طغيان الأيدلوجيا في عصر الثورة  ألغى المشروع النقدي ووضع نفسه تحت راية التعبئة من شحذ للانتماء الجماعي وإنامة للحس النقدي.

الآخر في التراث

يرى طرابيشي أن الثقافة العربية المعاصرة تبدو وكـأنها تنزع أكثر فأكثر إلى تأسيس نفسها في قطيعة مع الآخر. ورغم أن الآخر في الثقافة العربية الحديثة كان موضع نقد لكن جاء ذلك بسبب أنه مستعمر لا أنه حامل حضارة، من ثم يلاحظ طرابيشي أن الحاجة إلى عداء الآخر في الثقافة العربية المعاصرة تتزايد وتأخذ شكلا أكثر حدة طردا مع سقوط الذريعة العقلانية لهذا العداء والمتمثلة في أن الآخر كان مستعمِرا.

يرصد طرابيشي بعض من أوجه العصاب في خطاب المثقفين العرب؛ فالآخر في الخطاب العربي موضع عداء وكره من حيث هو حامل حضارة وإن يكن كره الآخر هو بطبيعة الحال مصدر إفقار للذات، فهو في الحالة العربية مصدر إفقار مضاعف لأن فيه قطعا مع الآخر ومع الحضارة في آن معا، وهو موقف لا يمكن أن يجد تبريرا له في تراث الأسلاف، فالحضارة العربية الإسلامية لم تعرف لاهوت نفي الآخر وهذا النفي هو نتاج عصابي لتلك الشريحة من الأنتلجنسيا العربية المريضة بالآخر، الغرب.

فيلسوف بالوكالة

يتعرض جورج طرابيشي في كتابه إلى الأفق الفلسفية في كتابات نجيب محفوظ الروائية، فنجيب محفوظ انطلق في كتاباته من إيمان بحتمية "علمنة الدين" عبر خمسة محاور؛ المحور الميتافيريقي الذي يتضح في حضور الموت في كتابات نجيب محفوظ وطرح إشكالية الإيمان والبعث من خلال أعماله الروائية،  المحور الأخلاقي يظهر في ميل محفوظ إلى منح مسؤولية الفعل للإنسان باعتباره المسؤول الأول عن مصيره، المحور الأنطولوجي في الحديث الصيرورة الإنسانية والتي يظهر فيها حب محفوظ للإنسان رغم نقده لأفعاله، المحور الثالث هو أنثروبولجي يظهر في تبني محفوظ لفلسفة حقيقية في الحضارات، والمحور الرابع هو أيدولوجي يظهر في إيمان محفوظ ببعض العناصر في كل أيدولوجيا، المحور الأخير هو أسطوري يتبدى في اختراع محفوظ لهيكلية أسطورية جديدة تكون بمثابه السدى الذي ينسج عليه لحمة أفكاره الفلسفية.

الإسلام والغرب

يتعرض طرابيشي بالنقد لكتاب المفكر محمد أركون المعنون بـ"الإسلام، أوروبا، الغرب" ويصفه بأنه خطاب أكثر منه نصًا، إذ انحصر دور أركون بالحوار مع زعيم الحزب الليبرالي الهولندي بولكستاين وحوار آخر مع المترحم هاشم صالح، ومن ثم فهو بعيد عن الهدوء التحليلي المعقلن، يعتبر طرابيشي أن أركون قد فشل بعد نحو عشرة كتب وربع قرن من النشاط الكتابي في المهمة التي نذر نفسه لها كوسيط بين الفكر الإسلامي والفكر الأوروبي وعجز عن تغيير نظرة الغربيين إليه كمثقف مسلم حاول تبني المنهجية العلمية الغربية في الترات الإسلامي.

يُفند طرابيشي أطروحات ثلاث جاء بها أركون في كتابه وحواره مه الزعيم الهولندي؛ ففي الدعوة إلى القيام بمراجعة نقدية للعقل الديني وعقل التنوير لأن كلاهما يدعي الصلاحية لنفسه بشكل حصري ومطلق، يقر طرابيشي بأن المراجعة للعقلين معا مطلوبة لكن هذا لا يعني أن هذين العقلين متساويان فنقد العقل التنويري لا يمكن أن يبدأ إلا بعد إنجاز نقد العقل الديني وليس هناك مجال للتسوية بينهما. أما الأطروحة الثانية التي يدعو فيها أركون إلى التخلي عن كلمة العلمنة في حد ذاتها لأنها تثير نفور المسلمين، فيرى طرابيشي أنه موقف يحمل على الالتباس وإن كان غير صادر بناء على اعتبارات النكوص الفكري الرافضة للفكر العلماني ذاته، ففي تمسكه بالمسمي دون الاسم يجازف أركون بـأن ينسى أن الأمر يتعلق أولا واخيرا بثورة عقلية ومن ثم فالأسماء لا تقل أهمية في هذه الحال عن تغيير المسميات.

الأطروحة الثالثة التي يفندها طرابيشي هي استراتيجية أركون القائمة في شق أساسي منها على معارضة إسلام عصر الانحطاط وهو الإسلام الموروث السائد اليوم في تقديره، والدعوة لاستبداله بإسلام العصر الذهبي، وهنا تحمل فكرة العودة إلى الماضي حتى لو كان عصر صفاء أول كما يسميه أركون خطر أن تظل حبيسة رؤى ماضوية دون تفكير في التقدم إلى الأمام، دون أن تنتقل بنفسها وبالإسلام نفسه إلى التخوم الحضارية للقرن الحادي والعشرين.   

يتحدث أركون عن نظرة الغرب الاحتقارية للإسلام ويؤكد أن موقف الغرب من الإسلام لا يتغير ولا يتبدل ويرى طرابيشي أن أركون في خطابه يجنح إلى أن يشيء الغرب ويجوهره ويؤقنمه من خلال رفع نظرته العدائية والاحتقارية للإسلام إلى مصاف المطلق المنفلت من عقال كل تعيين تاريخي، كما أن تكرار الشكوى بخصوص نظرة الغرب الاحتقارية إلى الإسلام يرى طرابيشي أنها قد تدل على عدم سداد الاستراتيجية العربية أو الإسلامية التي تضع كل رهانها على تغيير نظرة الغرب إلينا، ويطالب بتأسيس سيكولوجيا لدراسة الأسباب النفسية التي تتحكم بالطلب العربي أو الإسلامي لتغيير نظرة الغرب إلينا.

ويشدد طرابيشي على أن الطريق إلى تغيير نظرة الآخر ليس السعي الوسواسي من طرفنا إلى تغييرها. فنظرة الآخر إلينا لا تتغير مالم نتغير نحن أنفسنا فنظرة الآخر ليست وهما كلها بل هي محكومة بآلية فيزيائية ومالم نقدم إليها خقيقة مادية أخرى فلن نعكس مرآتها صورة جديدة.

 المرض بالغرب

في مقاله "المثقفون العرب المرضى بالغرب.. خطاب جلال أمين نموذجا"  يحلل طرابيشي كتاب "العولمة" لجلال أمين، فيلفت إلى أن دعوة أمين ليست فقط إلى مقاطعة العولمة بل الخروج من العصر بإطلاق فنقد العولمة ليس إلا ذريعة لنقد الحداثة نفسها وذلك بقدر ما أن عامل هذه الحداثة هو الغرب، ومن ثم يرى طرابيشي أن هذا الكتاب يمثل دعوة للخروج من العصر.

رفض العولمة المعاصرة يقدم أتم نموذج للجدل ما بين وحدة الحضارة وتنوع الثقافات، وهذه الجدلية يمكن أن تتوقف أو ترتكس إذا ما انزلقت في واحد من مسارات ثلاثة: مسلك استئصالي بدلا من دمج الثقافات المتنوعة تنحو إلى إحلال نفسها محل هذه الثقافات، مقابل الاستراتنيجية الإحلالية قد تنزع بعض الثقافات إلى اتباع استراتيجية إبدالية تنساق وراء إغراء تأسيس نفسها في حضارة بديلة والدور الذي يلعبه الاستعمار الاستيطاني في الاستراتييجية الاحلالية يلعبه الحافز الإيدولوجي في الاستراتيجية الإبدالية، أما المسار الثالث فهو انزلاق بعض الثقافات إلى استراتيجية انغلاقية تضع رهانها كله على القطع مع الحضارات، وتتعين هذه الاستراتيجية بدوافع أيدولوجية ذات طبيعة دينية وهذا هو المشهد الذي تقدمه اليوم مختلف الأصوليات الداعية إلى القطيعة مع الحضارة الحديثة.

اقرأ أيضًا:   

"المثقفون العرب والتراث".. قراءة جورج طرابيشي الاستثنائية

جورج طرابيشي.. تحرير العقل العربي من براثن التراث

هل يمكن تكريم بناة أوطان في حضرة من هدم وشرد وطنًا؟

"سقوط العالم الإسلامي".. نظرة حامد عبدالصمد لمستقبل العالم العربي

الفكر العربي عالق بعصر النهضة