المزيد  
دراسة جديدة تكشف عن مفاجأة حول "الإرهاب العالمي"
صرخة امراة سورية.. أين حقي؟! أطفالي باتوا بلا طعام
سجالات متواصلة حول "عودة اللاجئين"
تركيا: نأمل بالتوصل إلى حل بشأن إدلب ولن نسمح بارتكاب المجازر فيها
دلالات اقتراب تنظيم الدولة من مطار دمشق الدولي
العفو الدولية تطلق مبادرة لكشف مصير المعقلين في سوريا
لاءات العودة (ملف خاص)
لا.. لن أعود إلى سوريا.. أخشى التورط في قتل إخوتي

"المثقفون العرب والتراث".. قراءة جورج طرابيشي الاستثنائية

 
   
10:06

http://anapress.net/a/300308154777515
57
مشاركة


"المثقفون العرب والتراث".. قراءة جورج طرابيشي الاستثنائية

حجم الخط:

منذ أن بُغت العالم العربي بقنابل الحملة الفرنسية تدك حصونهم الفكرية وتفضح ترديهم الحضاري الذي قبعوا فيه لقرون،  منذ ذلك التاريخ لا يزال العرب مرتهنين للحديث عن ثنائية الأصالة والمعاصرة؛ التراث والحداثة، وهي الإشكالية التي لم تحسم في الخطابات الثقافية العربية في عصر النهضة مرورًا بالحرب العالمية الثانية وانتهاءً بنكسة حزيران في العام 1967 التي لا تزال آثارها شديدة الوطأة على الخطاب العربي حتى اللحظة الراهنة، وهي الإشكالية التي لم تحسم بشكل نهائي رغم كل المتغيرات التي حدثت طوال سنوات تالية.

في كتابه "المثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعصاب جماعي" ينطلق المفكر السوري الراحل جورج طرابيشي من خلال اعتماده على المنهج النفسي، في تحليل الخطابات العربية إزاء قضايا التراث والحداثة، مستخلصًا أوجه النكوص في تلك الخطابات نحو التردي والتمسك بالماضي بشكل يعكس الكثير من العلل النفسية ليس في منتج الخطاب، وإن كان ذلك ممكنًا كما يشير طرابيشي، ولكن في المنظور الذي يبنى من خلاله ذلك الخطاب.

في مقدمة الكتاب، يلفت طرابيشي إلى أنه ثمة مصاعب واجهته في تطبيق منهج التحليل النفسي على الخطابات العربية، الذي وإن كان استخدامه سهلًا في دراسة الرواية العربية، إلا أن محاولة تمديده على الخطابات العربية لم يكن كذلك، لأن البنية الموضوعية لهذا الخطاب مستقلة ظاهريًا عنذ ذات منتجيه، وفاعل الفعل هنا هو واو الجماعة.

يرى طرابيشي أن ثمة موروثات أخذها الخطاب المعاصر عن الخطابات السابقة له

ما هو إذن ذلك العصاب الموجود في الخطاب الثقافي العربي وكيف يمكن إنتاجه في خطاب جماعي؟ يجيب طرابيشي انطلاقًا من مقولة لعالم النفس سيجموند فرويد: "العصابي يشيح عن الواقع لأنه يجده لا يطاق، بتمامه أو ببعض أجزائه"، ولأن "العربي يعجب بماضيه وأسلافه، وهو في أشد الغفلة عن حاضره ومستقبله" كما قال جمال الدين الأفغاني من قبل، فإن ثمة عقدة يرى طرابيشي ضرورة تحليلها تتمثل في أن الخطاب الجماعي العربي لديه عقدة التثبيت على الماضي، وهي عقدة نكوصية أصابته بشدة عقب ما يسميه "رضة الهزيمة الحزيرانية".

يركز جورج طرابيشي في كتابه على تحليل الخطاب العربي المعاصر إبان هزيمة حزيران بصورة خاصة، وإن كانت ثمة درجات من المقارنة ستجرى على وجه سريع بين هذه الخطابات المعاصرة والخطابات العربية الحديثة بعد الحرب العالمية الثانية أو ما سبقها من خطابات في عصر النهضة، ويأتي التركيز على الخطاب المعاصر لأنه ووفق ما يراه طرابيشي كان الأكثر معاناة من النكوص بل أنه ارتد إلى ما قبل عصر النهضة وكاد يمحي ما قد أوشك المثقفون على الاتفاق عليه في عصر النهضة.

لماذا كان تأثير هزيمة حزيران هو الأكثر قسوة حتى من المدافع النابليونية؟ هنا يشير طرابيشي إلى أن تلك الهزيمة لم تكن متوقعة لكونها جاءت مسبوقة بشعور عارم بالثقة بالذات ومغالاة في تقييم قوتها، كما أنها كانت بمثابة الطعنة للمثال الأنوي العربي ولم يكن لها صمام أمان لتنفيس ضغطها الذي لا يطاق على عزة الذات القومية، ثم إنها كانت شاملة ومعممة بلا مصرف أو مخرج، ولم تسبب فقط تصدع عمارة المجتمع العربي الحديث وإحداث شروخًا في واجهة وعيه لك مفعولها الناخر طال الأسس الأيدولوجية والتاريخية التي قامت عليها هذه العمارة.

لم يكن الخطاب العربي على هذا القدر من النكوص في عصر النهضة، رغم أنها كانت بداية التعامل مع إشكاليات موقع التراث من الحياة والحضارة، إلا أن صدمة اللقاء بالغرب، حسبما يراها طرابيشي، كان لها مفعول صحي من وجهة النظر النفسية، إذ استاقت الوعي الجماعي إلى ضرورة تمثل الضرورة التاريخية للتغيير سواء بإعادة تشكيل الذات أو إعادة تشكيل العالم المحيط. أما الخطاب العربي الذي أفرزته هزيمة حزيران وإن كان يطرح نفس القضايا التي طرحها الفكر النهضوي قبل قرن من الزمان إلا أنه لا يقدم عنها نفس الإجابات بل يقدم إجابات اكثر تأخرًا، لا يرتد إلى عصر النهضة بل يرتد عن عصر النهضة.

يرى طرابيشي أن ثمة موروثات أخذها الخطاب المعاصر عن الخطابات السابقة له، الخطابين الحديث والنهضوي، فمن ضمن موروثاته من الخطاب النهضوي ما اتسم به من ازدواجية مستعصية على الحل بين روح المنافحة وروح النقد، كما أنه ورث عن الخطاب العربي الحديث الخطاب الإيدولوجي على حساب تقلص البعد المعرفي، والتي نتجت عن الحاجة إلى تبدل سريع للواقع على أساس من استراتيجية حرق المراحل.

ما هي أبرز أشكال النكوص على صعيد الخطاب العربي المعاصر حول التراث؟ يُبين طرابيشي بأن ذلك الخطاب المعاصر كانت له ثمانية أوجه من النكوص، يسوق طرابيشي في كل محور من هذه المحاور نماذج لكتابات من قبل مثقفين عرب وخطابات تحمل المعاني ذاتها. يمكن إجمال هذه الأوجه في: النكوص كإضراب عن النمو وهو ما يتبدى في خطابات لمثقفين عرب تدعو إلى القطيعة مع قيم حضارة التصنيع ونماذجها والانسحاب من السباق الحضاري،. الوجه الثاني من أوجه النكوص كما يرى طرابيشي يتمثل في إلغاء الذاتية والاستقالة من الفعل التاريخي: فثمة خطابات تؤسس لأن ليس صانع هذا التاريخ هو الإنسان وإنما هو على الدوام قوة مجردة، محبوة بقدرة كلية سحرية ويكون هذا الفاعل إما التراث وبدائله مثل الوحي في خطاب السلفيين أو العنصر العربي واللغة العربية في خطاب القوميين.

ما من قضية يعيشها المثقف العربي مثل قضية التراث التي باتت تحتل مكانها في الخطاب العربي المعاصر بصفتها قضية القضايا

الوجه الثالث من أوجه النكوص يحددها طرابيشي في النكوص كإحياء للمخطط العائلي؛ فما من قضية يعيشها المثقف العربي مثل قضية التراث التي باتت تحتل مكانها في الخطاب العربي المعاصر بصفتها قضية القضايا، ومن أكثر الروايات تداولًا للتراث اعتباره أبا رمزيًا معبرًا عن سنة الآباء وأخلاقهم وتقاليدهم. وهناك الرواية الأمومية التي تختزل التراث إلى بعده اللغوي. ثم إن ثمة شكلًا آخر من النكوص يتجلى في إعادة تنشيط آلية الترميز الجنسي؛ فهزيمة حزيران أخذت تتجلى في الخطاب المعاصر مكتسبة طابعًا رمزيًا في عملية انزياح نكوصية من مستوى العلاقة بين طرف متقدم وآخر متأخر إلى مستوى العلاقة الجنسية بين عامل مذكر وجامد مؤنث.

يأتي بعد ذلك توضيح طرابيشي لأشكال النكوص الأخرى، ومنها النكوص كإحياء للمركزية الأنوية التي تقترن أحيانًا بكونها مركزية شرقية وأحيانًا أخرى مركزية إسلامية وطورًا ثالثًا بكلتا الدائرتين. كما أن ثمة نكوص يتمثل في عودة المكبوتات الطفلية وهو وفق تحليل طرابيشي يقدم في خطابات عربية تقدم عينات من موقف طفلي يعتبر أن الآخرين هم فعلا الجحيم، وأن محض وجودهم هو بحد ذااته جرح نرجسي يصعب احتماله.

يتمثل النكوص أيضًا في الارتداد إلى آلية رد الفعل من خلال العمل على معاكسة كل  فكر أو فعل يصدر عن الغرب، من خلال تقليد آلي عكسي تتحول فيه كلمة الغرب إلى كلمة رجيمة يكفي أن تحضر إلى مجال الوعي ضرورة التفكير باتجاه معاكس لها. كما يتمثل النكوص في الارتداد أساسًا عن عصر النهضة من خلال الارتداد عن معارك كان المثقفون العرب قد أوشكوا على حسمها في عصر النهضة فإذا بالنقاش يرتد إلى الخلف في حالة من التردي عن عصر ما قبل النهضة.

يشرع طرابيشي بسوق الأمثلة من الخطابات العربية على كل وجه من وجوه النكوص المذكورة، ثم يسترسل تفصيلًا في تحليل الخطاب الثقافي المقدم من قبل المفكر المصري حسن حنفي حول التراث والتجديد، والتناقضات والمغالطات التي وقع فيها الباحث في أعماله وخطاباته وسعيه نحو تأسيس علم الاستغراب والإشكاليات التي تحوم حول الكثير من أفكاره المتناقضة التي يمحو بعضها البعض في كثير من الأحيان.