المزيد  
استطلاع: 72% لا يعتقدون بشرعية دخول النظام إلى عفرين
مصرية تتحدث عن معاناتها في بلدها بسبب "تشابه ملامحها مع السوريات"
روسيا ترهن وقف قصف الغوطة بهذا الشرط
هكذا ردّت ألمانيا "عمليًا" على قصف الغوطة
حمزة بيرقدار: هذه أسباب الحملة على الغوطة
استهداف مجهول المصدر داخل دمشق يسقط قتلى وجرحى في ركن الدين
الحصاد الأسود لغارات النظام على الغوطة
مظاهرات شعبية في سوريا تضامناً مع الغوطة‎

التجاذبات السياسية وتأثيرها على ملف إعادة الاعمار في سوريا (تحقيق)

 
   
12:04


التجاذبات السياسية وتأثيرها على ملف إعادة الاعمار في سوريا (تحقيق)
صورة أرشيفية

يبدو أن عملية إعادة سوريا ليست قضية مالية بحتة أو شأن اقتصادي مجرّد، بل إنها عملية سياسية بامتياز، وبالتالي تجاذبات وصراعات دولية تتحكم بها، ويبقى التساؤل من هي الجهات والأطراف التي ستشارك في إعادة الاعمار؟ ومن هي الدول والشركات المسموح لها المشاركة في تلك العملية؟

وعلى ما يبدو أن هناك شبه إجماع دولي على أنه لن تكون هنالك أية عملية لإعادة الاعمار في سوريا إلا بوجود حل سياسي يؤدي إلى استقرار البلد، غير أنه من الناحية العملية، لا يوجد أي احتمال في الوقت القريب للتوصل إلى اتفاق سياسي شامل، وبالتالي لن تحدث أية عملية لإعادة البناء.

مؤخرًا أعلن الوسيط الأممي ستافان دي ميستورا عن تكلفة إعمار سوريا، التي دمرت بنيتها التحتية بشكل شبه كامل بسبب الحرب الدائرة منذ سنوات، وقال دي ميستورا في مداخلة أثناء جسر تلفزيوني من جنيف مع مجلس الأمن: "إن تكلفة إعادة إعمار سوريا ستبلغ 250 مليار دولار على أقل تقدير".

ومؤخرًا أيضًا ظهرت بوادر خلافات روسية إيرانية على مسألة "إعادة الاعمار" عبّرت عنها تقارير إعلامية إيرانية، من بينها التقرير الذي نشره موقع "تابناك" الإيراني والذي تحدث عن قلق ومخاوف متزايدة لدى طهران من إقصاء الدور الإيراني في مرحلة إعادة إعمار سوريا. حمل التقرير عنوانًا: "من المسؤول عن حذف وإقصاء إيران من عملية إعادة إعمار سوريا؟ نحن أم بشار الأسد؟".

اتفاق سري

تحدث التقرير عن اتفاق سري بين روسيا وسوريا بعدم إشراك إيران بعملية إعادة إعمار سوريا، وقال الموقع: "إذا تساءلنا هل يتم إشراك إيران في عملية إعمار سوريا، فالجواب هو لا؛ لأن بعض المعلومات تشير إلى أن هناك "تقارير سرية"، أن إيران لن تتمكن من المشاركة في إعادة إعمار سوريا، لعدة أسباب، من بينها البيروقراطية المعقدة والمشاكل الاقتصادية الصعبة التي تعاني منها إيران، وأيضا النقص في الموارد المالية، وانتشار الفساد، يدفعنا لإقصاء إيران من مرحلة إعادة إعمار سوريا".

بعض الأطراف الفاعلة في الملف السوري تحاول أن يكون كشف حساب مشروع إعادة الاعمار وتوزيع الحصص فيه انعكاس للتوازنات السياسية التي تمخضت أصلا عن الميزان العسكري والتطورات العسكرية التي كانت لصالح النظام وحلفائه
  عبد المنعم حلبي

وبين المقدمات التي تجعل من الحديث عن ملف "إعادة الاعمار" وعلاقته بالتجاذبات السياسية عملية حتمية، هو اشتراط عواصم غربية بخاصة الأوروبية وواشنطن، التي تقف ضد النظام السوري، رحيل النظام وتحقيق الانتقال السياسي المطلوب، كرهن للمشاركة بعملية إعادة الاعمار، كما تتّفق بعض العواصم العربية لاسيّما الخليجية منها، مع هذا الموقف.

هذا ما أكده وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون في خطابه بجامعة ستانفورد قبل أسبوع، حينما أعلن عن أنه يعتزم إقناع الدول الأخرى بالامتناع عن أي علاقات اقتصادية مع دمشق، وأن هذه الحالة ستبقى حتى إزاحة الأسد من السلطة من خلال عملية تحت رعاية الأمم المتحدة.

وهذا -وفقا لتيلرسون- هو شرط واشنطن للسلام في سوريا وبعد ذلك ستكون الولايات المتحدة سعيدة بالإصرار على تطبيع العلاقات الاقتصادية بين سوريا والدول الأخرى، وبالتالي لن تشارك الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، وكذلك شركاء أمريكا الإقليميون، في الجهود الرامية إلى إعادة إعمار المناطق السورية الخاضعة لسيطرة نظام الأسد.

الموقف الأوربي

ومن بين المحطات أو المواقف البارزة مؤخرًا في عملية الحديث عن ملف إعادة الاعمار، ما أكده الاتحاد الأوروبي مطلع الأسبوع الجاري من أنه لن يلتزم بدعم أي عملية لإعادة الاعمار في سوريا تقودها روسيا، وأن الاتحاد الأوربي ليس صندوقا ماليا لتمويل مشاريع قامت بها دول لا تنسق معنا. وفق ما نقلته وكالة روسيا اليوم.

وفي المقابل، أخبر سفير روسيا لدى الاتحاد الأوروبي فلاديمير تشيزوف، قبل أيام، أنه ستقع مسؤولية الفشل على دول الاتحاد الأوروبي في حال لم يعترفوا أن الوقت قد حان لدعم برنامج إعادة الاعمار في سوريا الذي يكلف مليارات الدولارات.  بحسب "فايننشال تايمز".

وقال تشيزوف إنه من الممكن أن يوافق الاتحاد الأوروبي على البدء بتمويل إعادة الاعمار في المؤتمر المقرر عقده في بروكسل في الربيع القادم حول سوريا، كما اعترف بأن روسيا ربما تحتاج تخصيص مبلغ مالي كبير للمشاركة في جهود إعادة إعمار سوريا.

هذا ما قاله الأسد

أما فيما يتعلق بموقف النظام السوري، فقد أكد غير مرة على لسان رئيسه بشار الأسد على أن "روسيا من الطبيعي أن تكون شريكا مهما في إعادة إعمار سوريا"، مشيراً إلى ما وصفه بـ "المواقف المشرفة" لموسكو تجاه البلاد. وفق وكالة الأنباء السورية الرسمية.

وبنفس الوقت استبعد الأسد خصومه وأعدائه من أي استحقاق في إعادة الاعمار، إذ أكد أنه لن يكون هناك تعاون أمني أو سفارات أو دور للدول التي تقول إنها تسعى لإيجاد حل "بعد أن أعلنت علاقتها صراحة وبشكل لا لبس فيه بالإرهاب"، لافتاً أنه لن يسمح للأعداء والخصوم أن يحققوا بالسياسة ما فشلوا بتحقيقه بالإرهاب، وفق تصريحاته.

وفي وقت سابق، صرّح رئيس وزراء النظام السوري عماد خميس أنّ "أولوية الاستثمار في سوريا ستُعطى لرجال أعمال من دول صديقة وشقيقة وقفت بجانب سوريا في حربها ضد الإرهاب".

من جهتها، فإن إيران ليست في وضع يمكّنها من تقديم أية مساعدة فعالة لإعادة الاعمار، وكل ما يمكن أن تفعله أن تشتري عقارات، وهناك 40 شركة إيرانية تشتري البيوت والعقارات في دمشق وحلب وغيرها من المدن السورية. كما ذكرت صفحات موالية للنظام.

ومن جهته، يقول الخبير الاقتصادي الدكتور عبد المنعم حلبي، إن نجاح إعادة الاعمار في سوريا مرتبط بإزالة الأسباب التي أدت إلى تدمير سوريا، وبالتالي لا يمكن أن ينجح مشروع إعادة الاعمار بوجود النظام.

توزيع الحصص

ويتابع: إعادة الاعمار بحاجة لتكنوقراط مستقلين يتحدون مع من تبقى من نظيفي اليد من زملائهم الذين فضلوا البقاء في سوريا حتى وإن كانوا محسوبين على النظام. ويجب الفصل التام بين المشروع والتطورات السياسية المتوقعة للحالة السورية.. وهذا ممكن وتم تطبيقه في العديد من التجارب السابقة كما في لبنان بعد الحرب الأهلية ودول أوربية متعددة بعد الحرب العالمية الثانية.

وحول التجاذبات السياسية وتأثيرها في ملف إعادة الاعمار يرى الحلبي، في تصريحات خاصة لـ "أنا برس" أن بعض الأطراف الفاعلة في الملف السوري تحاول أن يكون كشف حساب مشروع إعادة الاعمار وتوزيع الحصص فيه انعكاس للتوازنات السياسية التي تمخضت أصلا عن الميزان العسكري والتطورات العسكرية التي كانت لصالح النظام وحلفائه.

ووفق الحلبي، فإن إيران وروسيا لديهم خبرة في اللعب من وراء الكواليس وإظهار النظام في الواجهة والذي عمل على توسيع دائرة التمثيل لديه وأبدى انفتاحًا في استقطاب قوى متنوعة حتى من صفوف المعارضة مما ساعده في تسويق نفسه بصورة أفضل. أما الآخرين فهم مع الأسف –بحسب الحلبي- كانوا فاشلين في خياراتهم السياسية حيث انحصرت ضمن شخصيات وتكتلات فقدت الكثير من المصداقية. "لذلك أرى ان التجاذبات السياسية ستكون لصالح النظام في المستقبل القريب وسيستفيد منها في تصدر المشروع في بدايته".

حلفاء النظام يتنافسون فما بينهم.. روسيا أعلنت عن أنها ستنفرد بقطاع الطاقة وفي ذلك إبعاد لتطلعات إيران
 عماد الخطيب

وحول كيفية التوافق بين المعسكر الغربي وبين حلفاء النظام فيما يخص ملف الاعمار، يعتقد الخبير الاقتصادي بأن العمل مع الأوربيين في ذلك سيؤدي لنتائج جيدة بعكس التعويل على الأمريكيين الذين أداروا الملف السوري باستخدام الكذب وركزوا على ملف الجهاديين استقطابًا ثم استئصالا على حساب قضية الشعب السوري، قيادة روسيا لمشروع إعادة الاعمار هي مشكلة بالنسبة للأوربيين وليس بالنسبة للأمريكيين كما يظهر عليه الأمر.

ويستطرد: "لكن الروس لديهم حسابات أوسع من النطاق السوري ولا أعتقد بأن مشكلات كبيرة ستعترض الروس في تحقيق توافق مع الأمريكيين.. المشكلة كما قلت ستكون مع الأوربيين.. وبالنسبة للصين فسوريا لا تشكل رقمًا مهمًا لها ولكنها ستدعم موقف روسيا في تعويض أي فجوة قد تنشأ عن عدم التوافق مع الأوربيين".

ويختتم الحلبي حديثه بالتأكيد على أن "النظام قد لا يمتنع عن التقارب وفتح كل الأبواب مع قوى إقليمية من باب بناء وتحقيق مصالح مشتركة في المستقبل من بوابة إعادة الاعمار وبما يتوافق والتوازنات السياسية التي قد يتمكن النظام من إعادة بنائها في مواجهة تمدد غير مقبول للإيرانيين، وسيجد المبررات لأي قواعد لعب جديدة. وقد بدت مؤشرات فعلية لذلك".

أحلاف متنافسة

يقول الباحث السياسي والاقتصادي الدكتور عماد الدين الخطيب (الأمين العام لحزب التضامن السوري) إنه حتى الآن لا إحصائيات رسمية حول تكلفة إعادة الاعمار في سوريا رغم أن التقديرات تشير إلى تجاوز تكلفة الاعمار الـ 500 مليار دولار، ومن الطبيعي ألا تستقل سوريا باقتصادها المتهالك بعملية إعادة الاعمار لاسيما مع هجرة عقولها وشبابها إلى خارج سوريا والتي قد لا تعود في معظمها مع رغد العيش في تلك الدول.

ويرى أن أول قطاع يحتاج لإعادة الاعمار في سوريا -حسب وجهة نظره- هو القطاع الاقتصادي لدعم الدخل القومي وتحسين معيشة المواطن السوري بعد سنوات عجاف من التقشف الاضطراري وبالتالي دعم قطاع الانتاج للنفط والثروات الباطنية، ومن ثم باقي قطاعات الاقتصاد السوري من الصناعة والزراعة والسياحة وإعادة البنى التحتية التي تضررت بنسب تتجاوز 70%، وكذلك البنى التعليمية.

وحول الأسباب التي تعيق إعادة الاعمار يقول الخطيب، في تصريحات خاصة لـ "أنا برس" إن المشكلة الرئسية تكمن في الاختلاف السياسي بين الدول التي قد تشارك به وحتى ضمن الحلف الواحد؛ فحلفاء النظام يتنافسون فما بينهم، وقد أعلنت روسيا أنها ستنفرد بقطاع الطاقة وفي ذلك إبعاد لتطلعات إيران.

الدول الغربية فأعلنتها صراحة أنه إن لم يتم التوصل إلى حل سياسي في سوريا فهي لن تشارك في إعادة الاعمار
 الخطيب

ويتابع: أما الدول الغربية فأعلنتها صراحة أنه إن لم يتم التوصل إلى حل سياسي في سوريا فهي لن تشارك في إعادة الاعمار، وهذا ينطبق أيضًا على الدول الخليجية، وفي مقدمتهم السعودية والإمارات، كما أن البنك الدولي قد يحجم عن تقديم مساعداته والمشاركة في إعادة الاعمار إن لم يتم تحقيق بعض الشروط وضمان الاستثمارات.

كذلك دول شرق آسيا قد تكون مترددة -وفي مقدمتها اليابان والصين- في المشاركة برؤوس أموال كبيرة إن لم تجد بيئة وشروط ملائمة سياسيا واقتصاديا، وفق الخطيب.

وحول استبعاد إيران من ملف إعادة الاعمار، يؤكد على أن إيران تعتبر هي محراك الشر والصراع في سوريا "وإذا ما تم التوصل لحل سياسي في سوريا أعتقد بأنه لن تستبعد من إعادة الاعمار، وإنما قد يكون لها دور محدود في مجالات خدمية محددة.. ولا أعتقد بأن الدول الغربية تتطلع لإبعاد إيران وبالتالي معاداتها؛ لأن تلك الدول تتطلع بذات الوقت إلى الاستثمار في إيران، ولكن سيبقى التنافس مفتوحًا بين الدول الحليفة فيما بينها للاستثمار في سوريا".

195 مليار دولار

وكان مركز دمشق للأبحاث والدراسات "مداد" قد وضع دراسة بشأن إعادة إعمار سوريا نشرها في أكتوبر(تشرين الأول) الماضي، قال فيها إن تكلفة إعادة الاعمار تبلغ بحسب تقديرات الحكومة السورية 195 مليار دولار.

خلاصة القول، فإن التجاذبات السياسية تلعب دورًا كبيرًا في مسألة إعادة الاعمار على النحو الذي تم رصده. وأن المصالح المتداخلة تلعب دورًا حتى بين الحلفاء.