المزيد  
الموت خارج أسوار الوطن
جهود مكافحة المحتوى الإرهابي عبر الإنترنت (فرص وعقبات)
سامو زين يوجه رسالة لبشار الأسد
أجواء رمضان بين الحاضر والماضي في سوريا
هل تتأثر سوريا بخلافات "التعاون الخليجي" الداخلية؟
قصة سوري فرقته الاتفاقيات عن عائلته
بعد بتر ساقيه صاحب المقولة المشهورة "يا بابا شيلني" يظهر بساقين بديلتين
هذا ما تطلبه المعارضة الإيرانية ضد الأسد وخامنئي

مصطفى تاج الدين الموسى وسؤال الجرأة في الأدب

 
   
08:12


مصطفى تاج الدين الموسى وسؤال الجرأة في الأدب

عبر سطور قصصه دومًا يشاهد القارئ الحدث وكأنه يحدث أمام عينيه بكلّ عنفوانه وآنيته وصدمته، يعتصر قلبه الحزن والألم، ويعيش مع الأبطال آلامهم وآمالهم إن وجدت في ظل واقع دام صار فيه التفاؤل شيئًا من البلاهة والغباء، تنتهي القصة لكن لا تتوقف التساؤلات والمساءلات التي أحدثتها القصة في أذهان القراء.

مصطفى تاج الدين موسى، هو ذلك القاص السوري الذي أُطلق عليه “كافكا سوريا”، أصدر أربع مجموعات قصصية؛ بعنوان “قبو رطب لثلاثة رسّامين”، و”مزهرية من مجزرة”، و”الخوف في منتصف حقل واسع″، وأخيرًا “نصف ساعة احتضار”، وفيهم تحضر المأساة السورية التي ألقت بظلالها على حياة وأفكار السوريين، ليجسّد في قصصه أدقّ المشاعر والأفكار التي صارت جزءًا لا يتجزّأ من حياة الحرب والترحال.

تخرّج مصطفى تاج الدين الموسى من كلية الإعلام بجامعة دمشق، في تسعينات القرن العشرين عمل كممثل مسرحي، وترجمت قصصه إلى الإنكليزية والفرنسية والأسبانية والفارسية والألمانية، كما نشرت العديد من المقالات عن مجموعاته القصصية في مختلف الصحف العربية، ونال عددًا من الجوائز على أعماله القصصية كان آخرها جائزة دبي للثقافة عن فرع القصة القصيرة لعام 2015.

في العالم العربي، هناك العديد من الرواد في فن القصة القصيرة مثل يوسف إدريس وزكريا تامر وياسين رفاعية وغيرهم، وبسؤاله عن الجديد الذي جاء به وجاءت به الأجيال الجديدة على مستوى تقنيات وموضوعات وسبل معالجة القصة القصيرة، يجيب الموسى “أيّ قارئ للقصص التي كتبها الجيل الجديد في السنوات الأخيرة، سوف ينتبه للتأثر الكبير بالعوالم السينمائية والمسرحية ونوعاً ما، علم النفس أيضاً”.

 

الموسى: القصة عندما تهجم على خيال صاحبها تفرض عليه حجمها

وردّا على سؤالنا له، هل تصنّف مجموعاتك القصصية ضمن واحدة من مدارس القصة الحديثة؟ يوضّح الموسى أن قصص مجموعاته الأربع متنوعة جداً ولا يمكن تصنيفها كلها في مدرسة معينة، فأحياناً، وفي قصة واحدة، يمكن امتزاج أكثر من مدرسة ببعضها البعض، وأحياناً قد تعلو التأثيرات الأدبية الغربية تارة، وتارة تنخفض. لكن، لا يمكن لأيّ قصة أن تتشكل بعيداً عن مدارس الفن القصصي وتأثيرات الأدب العالمي، والمحيط الخاص بالقصة ذاتها، مع ضرورة وجود البصمة الخاصة. لافتًا إلى أن أكثر قصصه التي لاقت انتشاراً هي تلك التي تصنف تحت اسم “الكوميديا السوداء”.

وعن العناصر التقليدية في القصة، وعما إذا كانت على نفس القدر من الأهمية في الوقت الراهن، يقول الموسى “بالنسبة إليّ فأنا مع المحافظة على العناصر التقليدية العامة لأيّ فن أدبي، وأيّ تغيير يجب أن يكون ضمن هذا الإطار العام، من الداخل.. لا تحطيم هذا الإطار والذهاب بالقصة القصيرة (مثلاً) إلى خاطرة أو مقال ذاتي، يمكن لأيّ شخص أن يكتبهما دون موهبة أو ثقافة، أيضًا التطبيق الحرفي والمتطرف للعناصر التقليدية لأيّ فن أدبي يشلّه، ويبقيه عاجزاً عن مواكبة الحساسية البشرية وتطورها. التوازن المتكئ على المعرفة والرؤية هنا ينقذ صاحب أيّ نص أدبي من التخبط”.

أما بالنسبة إلى العوامل الفنية التي من الممكن أن تتحكم في طول القصة أو قصرها يلفت الموسى إلى أن القصة عندما تهجم على خيال صاحبها، تفرض عليه حجمها، ولكن في الوقت ذاته ربما يفرض ذلك طبيعة الفكرة أو شخصيات القصة أو غيره.

وعن مدى تأثره في كتاباته القصصية بالفكرة ما بعد الحداثية “النص المفتوح”، يقول “لا أظن أن أغلب قصصي يمكن تسميتها ‘نصا مفتوحا’ وإنما هي من الناحية الفنية قصص قصيرة، مع أنني كتبت أحياناً نصوصاً مفتوحة، وطبعاً ثمة حداثة ما تطلّ من بين هذه القصص، ومع تراكم التجارب الحياتية وتنوعها، والقراءات وتكاثر الكتابات، صارت قصصي تستفيد أكثر من المناخات المسرحيّة والسينمائية، ومن علم النفس أحياناً، وبعض الاتجاهات الفلسفية”.

القصة القصيرة أقرب الفنون إلى الشعر، وفيما يتعلق بأهمية التخييل والشعرية في القصة وحجم اهتمامه بها في قصصه، يقول الموسى “كلّ الفنون الأدبية تتأثر ببعضها، مما يحافظ على مرونتها وحيويتها، لكن الإسراف باللغة الشعرية على حساب الفكرة ومعالجتها يأخذ القصة إلى مجرّد خاطرة، أتكئ في قصصي عموماً على مشهد شاعري، يترك أثراً لدى القارئ أكثر من أيّ لغة.. وأحياناً أنجح”.

وبسؤاله، إلى أيّ مدى ألقت تجاربك المسرحية بظلالها على قصصك في ظل التداخل الراهن بين الفنون؟ يوضّح الموسى “بالنسبة إليّ، تلك المسرحيات التي عملت فيها كممثل أثناء الدراسة الإعدادية والثانوية، لا يمكن أن نصفها بالتجربة، التجربة شيء أهم وأعمق، لكنها تركت أثرها عليّ وعلى كل أصدقاء تلك المرحلة، خصوصاً المسرح العبثي الوجودي، لتقاطعه مع طبيعة حياتنا النفسية، كنا ولا نزال أبناء جيل مضطرب، عاش سنوات الطفولة والمراهقة ضمن تقوقع سياسي ديني اجتماعي، ثمّ فجأة مع رحيل الأسد الأب انفتاح متسارع على العالم، فضائيات إنترنت هواتف نقالة.. إلخ. وصولاً إلى الحرب في سوريا”.

يظهر في أكثر من قصة ميله نحو التشكيك في المقدسات سواء الدينية أو الاجتماعية أو غيرها، وبسؤاله هل هي محاولة للتغلب على الرقيب الداخلي عندك؟ أم هي ضرورة فرضها الواقع الدامي ومن ثم القصة؟ يجيب الموسى “أعتقد أن الرقيب الداخلي متواضع جداً، يمكن التغلب عليه بسهولة، طبعاً، الوضع الدامي وتعاظم اليأس وللشفاء من الأمل والتفاؤل وبقية أنواع المخدرات، صارت كتاباتنا جريئة أكثر مما كانت عليه سابقاً”.

ويضيف “من غير المعقول أن نقرأ لكاتب ما، مجموعة نصوص لا يتجرأ حتى في كلمتين أن يشكك في مقدسات تم توارث تقديسها دونما تدقيق، فقط لأنها واق من رصاص الحياة.. على الكاتب بوصفه أميراً تائهاً أن يشكك في كل شيء، حتى في وجوده”.

في ظل الظروف التي تمر بها سوريا، والتي يهتم ضيفنا بالكتابة عنها بأشكال متعددة، قد تستدعي قصصه الاستغراق في المشهدية الوصفية، وعن ضرورة وضع ضوابط تمنع الانجراف وراء ذلك، يشير الموسى إلى أن النص القصصي الناجح، هو الذي (غالباً) يكون متوازن العناصر، وثمّة تناغم ما، غير مرئي بين عناصره، مع مرور الوقت وتكاثر القصص، هنالك ضوابط ما (ناعمة وليست غليظة) يتكئ عليها صاحب القصة دون انتباه، سببها تراكم الخبرة.

اشتغل بعض كتّاب القصة الحديثة على القصّ التراثي والتاريخي وصياغته بأسلوب جديد، وعن مدى اهتمامه بذلك يقول الموسى “ثمة قصص قليلة كتبتها مستلهماً الحكايات العالمية، مثل سندريلا والساحرة ذات المكنسة.. وعموماً، قصصي بعيدة عن القص التراثي والتاريخي، وابنة مرحلتها، لكن يمكن مستقبلاً أن أكتب قصصاً قريبة من هذا النوع، لا يمكن أن أضع شروطاً مسبقة على خيالي، وأكتب بحرية قدر المستطاع″.

كتب الموسى في القصة القصيرة جدا، وبسؤاله عن مستقبل هذا الفن المستحدث، خاصة وأن الكثيرين يرونه مجرد تمهيد لكتابة قصة قصيرة كاملة وأنه شكل فني لم يكتمل نضجه بعد، يقول الموسى “أغلب قصص مجموعتي القصصية الثانية ‘مزهرية من مجزرة’ هي قصص قصيرة جداً، وهذا النوع القصصي له رواده وكتّابه ونقاده، وأظن أنه مناسب جداً لعصر السرعة الذي نعيشه، حاضره جيد، وأعتقد أن مستقبله لن يختلف عن حاضره، وعلى كاتب هذا النوع من القصص أن يجيد الأنواع القصصية الأخرى، ضمن تجربة لها خصوصيتها”.

وفيما يتعلق بكتابة الرواية، ومدى تفكيره في كتابة هذا الفن الطاغي في الوقت الراهن، يؤكد الموسى أنه فكر في كتابتها، ولديه مسودّة رواية قصيرة كتبها منذ سنوات، مستدركًا “لكن كتابة الرواية أعتقد أنها تحتاج لظروف حياتية جيدة نوعاً ما، واستقرار على المدى الطويل، طبيعة حياتنا كنازحين لا تسمح، رغم هذا هنالك من فعلها ونجح، أنتظر الوقت المناسب مستقبلاً وقد أكتب رواية”. وفيما يتعلق بمستقبل القصة القصيرة في ظل تراجعها الراهن نتيجة هيمنة السرد الروائي ينوّه الموسى بأن القصة القصيرة وبقية الفنون الأدبية وغيرها لم تتراجع أمام الرواية، إنما الرواية تقدمت كثيراً، ولا يمكن لأيّ فن أدبي أن يلغي فناً أو فنوناً أدبية أخرى.

وعن الهواجس التي تحرك قلمه، يقول الموسى “هواجس عديدة، تتكاثر باستمرار، حول الحياة وأسئلتها، ولا أعتقد أنني انتظر أيّ شيء من الكتابة”. أما فيما يتعلق بطقوسه في الكتابة، وعمّا إذا كانت تتطلب منه تقمّص حالات وجدانية ما ليخرجها على الورق بصدق حقيقي، يوضح الموسى “ليست لديّ طقوس حرفية، لكن أحب الكتابة في غرفتي بين أشيائي الخاصة بي، قد أضع مجموعة أفكار أو مسودة لقصة في المقهى، الحافلة، الحديقة.. الخ، لكن الشكل النهائي للقصة يكون في غرفتي، عالمي الخاص”.

ويستطرد “يعتقد البعض أن الكاتب يتقمص شخصياته عندما يسكبها على الأوراق، لستُ مؤمناً بهذه الفكرة أبداً، ولطالما استغربتُ من كتّاب كانوا يذهبون إلى أمكنة بعيدة ليطّلعوا على بيئة ما تشبه بيئة بطل نصّهم، تبدو لي الفكرة كوميدية جداً ولم ترق لي”. ويشير الموسى إلى أن كلّ أبطال قصصه من يمينهم إلى يسارهم، ومن نبيلهم حتى وغدهم، هم هو. مضيفًا “الواحد منا (سيكلوجياً) له في حياته الاجتماعية شخصية محددة، تفرضها التربية والبيئة وغيره، لكن داخله ثمة شخصيات متعددة ومتناقضة، كل شخصية لها قصتها الخاصة بها، وكاتب كل هذه القصص هو مجرّد خشبة مسرح، في وقت ما تتقدم شخصية ما من شخصياته داخله ليكتب قصتها، ثمّ تتنحى لأعماقه لتطفو شخصية أخرى مع قصتها، هنالك من يحاول أن يبدو عاشقاً أو ثائراً أو.. أو.. الخ، في كل نصوصه، أظن أنه لم يدخل إلى أعماقه ولم يراقب حياته بحيادية أبداً، أو أنه يقف أمام المرآة طويلاً متخذاً وضعية ما، ثم يأخذ هذه الوضعية في خياله مشواراً قسرياً نحو أقرب نص أدبي”.

ويلفت الموسى إلى أن ثمة روايات كتبت عن التعساء والمسحوقين، أبدعها كتاب من طبقة أرستقراطية، المهم عدم الاستسلام لشخصية ما، ترضي صاحبها وتروق له كثيراً. فهنالك قصص نكتبها أحياناً بثقافتنا العالية، ضمن أدوات وتقنيات تطورت في عقولنا خلال زمن طويل، والصناعة الماهرة فيها تقل وتزيد، ونصل إلى قصة جميلة تعبّر عن رأي أو قناعة أو انتماء أو فلسفة خاصة. وهنالك قصص أخرى، نكتبها لأنها حياتنا، أو هي جزء منها، النوع الثاني، عادة، عندما أقارن بين قصصي بحيادية، يكون الأجمل.

وبسؤاله عمّا إذا كان يؤمن بالأدوار الملصقة دومًا بالكتابة ودور الكاتب في حراسة القيم وتعزيز الوعي وغيره، يقول الموسى “أعرف كتّاباً عاشوا في حانات فاجرة بين العاهرات، منهم من عمل بتجارة الرقيق مثلاً، ومنهم من انحاز إلى طاغية، وخلقوا إبداعاً مهماً، حفظه لهم التاريخ”.

ويضيف “هذه الأدوار هي ليست مهمة الكاتب، ولو تبناها قليلاً أو كثيراً، مهمته الأساسية أن يكتشف نفسه، وحياته وهويته الداخلية بوصفه فرداً غريباً ونوعاً بشرياً نادراً، على صعيد التفكير والمشاعر، ضمن خياله المتحرر. تلك الأدوار، هي من مهمات المصلحين، المعلمين، قادة الرأي، الثوار، والسياسيين.. الخ. مع أنه -أي الكاتب- في لحظة ما، قد يكون كلّ ما سبق”.

ويتابع “لا بد من وعي جريء، مثلاً، عندما تتكاثر السعادة بوصفها وهماً، لا بد أن نصرخ في نصٍ أدبي شجاع بوجه السعداء: يا أغبياء، اصمتوا.. جئنا من اللاشيء وذاهبون إلى اللاشيء.. وكلّ هذه الحضارة هي تمظهر أساسي لحرب تافهة ضد الفراغ واللاشيء، توقفوا عن السعادة. يا أغبياء، توقفوا عن وضع حبة الكستناء فوق المدفأة في الليالي الشتوية الدافئة، هذه ليست قصتنا الحقيقية”.

بالتعاون مع العرب اللندنية.