المزيد  
الاتفاق الروسي التركي حول المنطقة الآمنة.. ما المقابل الذي تبحث عنه موسكو؟
تقرير يكشف خفايا تخلي واشنطن عن قسد.. والبحث عن "بديل جديد"
أردوغان: وحدات حماية الشعب لن تبقى تحت "عباءة النظام" على الحدود السورية
مقال: الأكراد ترجوا إسرائيل لوقف "نبع السلام"
دخل حيز التنفيذ.. أول ترجمة عملية للاتفاق الروسي التركي
تعرفوا إلى بنود الاتفاق الروسي - التركي حول الوضع في شمالي سوريا
لبنان ليس الوحيد.. 11 دولة شهدت احتجاجات في تشرين الأول
بعد الاتفاق الروسي التركي ...أنقرة تعلن انتهاء العمليات العسكرية في سوريا

الموسيقى.. سؤال "الحرام" وأجوبة من الماضي والحاضر

 
   
12:37

http://anapress.net/a/654876025107349
مشاركة



حجم الخط:

سؤالُ قديم، إلا أنه يجد من يطرحه بين الحين والآخر، وهو سؤال: "هل الموسيقى حرام؟".. رغم أن الموسيقى هي أرقى أنواع الفنون وأقدمها، إلا أن هذا لم يمنع السؤال  من أن يُطرح على الساحة؛ فيردده البعض إما بحثًا عن إجابة، أو رغبة في إثارة الجدل والبلبلة حول مسألة يبدو أنها لن تنتهي، طالما هناك حياة، وطالما هناك فكر مستنير وآخر يشيع الظلام بين الناس.. وهو السؤال الذي يُحاول الكاتب والموسيقار محمد قابيل الإجابة عليه في كتاب يحمل عنوانه هذا التساؤل.

يستهل قابيل كتابه، الذي صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب،  بالحديث حول كيف استطاعت الموسيقى أن تقود الإنسان إلى العلم والفلسفة ومن ثم إلى الإيمان، لافتًا إلى أن الشعر والموسيقى كانا فنًا واحدًا لدى القدماء المصريين، فكانت الحكاية تُحكى بالشعر المُلحن، وكان الموسيقيون هم الشعراء والمؤرخون والخطباء، وأطلق عليهم الشعب لقب الحُكماء، وفي أحيانٍ أخرى لقبهم بتراجمة الآلهة.

الموسيقى والغناء مرحلة حضارية راقية، لا تصل إليها الشعوب إلا بعد أن تكون قد تطورت وأن يكون الشعب مرهف الحس

ويلفت المؤلف إلى أن الشعب المصري شعب شفهي يُحب الكلمة ويقدرها، "فالموسيقى تعني عندنا الغناء، على عكس ما هو قائم في الغرب الذي عرف قوالب الموسيقى البحتة وأبدع فيها، وأصبحت لها منزلة تفوق منزلة الغناء".

 يتناول الكتاب كيف ارتبط المصريون بالغناء، وظهر في أمثالهم العامية بكثرة فتسمعهم يقولون "هياخدنا في دوكه"، و"الدوكه" هي اسم نغمة موسيقية ومقام عربي، "وزي الطبل صوت عالي وجوف خالي"، "زي الطبل الأعمى"، "وإن جاعوا زنوًا.. وإن شبعوا غنوا".. إلى آخره من الأمثال الشعبية المصرية القديمة.

ويستعرض قابيل في الفصل الأول "الموسيقى عند فجر الإسلام"، وكيف كان وضع الموسيقى والغناء قبل فجر الإسلام، وبعد ظهور الإسلام وفي العصرين العباسي والأندلسي، مؤكدًا على أن الشاعر في الجاهلية كان موسيقيًا بطبيعته.

ثم يتطرق إلى ريادة الغناء المصري، حتى في ذلك العصر القديم، حيث صدر الإسلام من خلال الجارية المصرية "سيرين"، والتي أهداها المقوقس إلى رسولنا الكريم، فأهداها المصطفى إلى شاعره حسان بن ثابت، وقد كانت هذه الجارية مُغنية استطاعت أن تقوي الصلة الفنية بين مصر والموسيقى السائدة في ذلك الزمان، ثم تتلمذت على يديها أهم مغنيات العصر عزة الميلاء، زينب، خولة والرباب وسلمى.

واختلف بعض علماء المسلمين في موضوع إباحة الاستماع إلى الغناء والموسيقى، فاستدلوا على رأيهم بأدلة قرآنية ففي سورة المؤمنون (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون)، ويرى هؤلاء العلماء أن المقصود باللغو ولهو الحديث، هو الغناء، بينما يرى آخرون –بحسب الكتاب- أن لهو الحديث من المفترض أن يكون هو القبح، أما إذا كان به شيء جميل، فلا توجد مشكلة، فشريعتنا سمحاء، تهدف إلى إسعاد البشرية.

 مؤلف كتاب "هل الموسيقى حرام": كنت أخشى أن يأتي الدور على الموسيقى فيتم وضع الشمع في الأذن!

ويستعرض الكتاب المواقف التي نشد فيها المسلمون الأغنيات والأناشيد، ومنها على سبيل المثال، النشيد الذي استقبل به النساء والرجال من أهل المهاجرين والأنصار الرسول "طلع البدر علينا"، وكيف أن الرسول سأل السيدة عائشة بعد أن أوصلت عروسًا لعريسها: "هل بعثتم معها من تغني؟"، فقالت عائشة مازحة: "تُغني ماذا يا رسول الله؟"، فقال "تغني: آتيناكم آتيناكم فحيونا نحييكم.."، لافتًا إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم، لم يحرم الغناء، وإنما انشغل عنه بنشر الدعوة الإسلامية؛ لذلك لم تزدهر الموسيقى حتى احتلت مكانة رفيعة في مجالس العرب، إلى جانب الشعر والأدب في عهد الخليفة عثمان بن عفان.

وأبدى المؤلف تخوفه من صعود التيار الإسلامي، وقيام بعض العناصر المتشددة بتغطية تماثيل حواري البحر واتهام آخرون لأديب نوبل (نجيب محفوظ) بالإلحاد، فالمؤلف كان يخشى أن يأتي الدور على الموسيقى فيتم وضع الشمع في الأذن، متسائلًا: "ما هو المصير المجهول الذي ينتظر تراثنا الغنائي؟".

ويتحدث قابيل في كتابه عن "مدرسة المشايخ"، التي أُنشأت في عهد محمد علي، وكان هدفها تعليم الموسيقى في مصر، والتدريب على قراءة القرآن الكريم بأنغام غير موزونة إيقاعيًا، ملتزمة بقواعد قراءات القرآن الكريم وتجويده، لافتًا إلى أن التلاوة القرآنية فن مصري حصري، يلتزم القارئ فيها بقالب فني، تتوافر فيه عناصر الدراما الثلاثة، كما حددها رشاد رشدي، في كتابه "القصة القصيرة"، وهي البداية، الوسط، النهاية، فتبدأ من مقام موسيقي غالبًا ما يكون البياتي أو الراست، ثم يتفرع منه بنغم متصاعد في مقامات من أقرباء المقام الأصلي، وقبل أن ينهي قراءته يكون قد عاد إلى المقام الأول الذي بدأ التلاوة منه.

كما يستعرض الكتاب مشايخ الغناء من حفظة القرآن الكريم، والذين بدأوا حياتهم بالإنشاد والابتهالات ومدح الرسول الكريم، ثم أصبحوا من كبار الموسيقيين في مصر، ومن بينهم "الشيح محمد عبدالرحيم المسلوب، الشيخ سلامة حجازي، الشيخ أبوالعلا محمد، الشيخ سيد درويش، محمد القصبجي، الشيخ زكريا أحمد، ومحمد عبدالوهاب، وسيد مكاوي...".

وفي الفصل الرابع من كتاب "هل الموسيقى حرام؟" يُقدم الكاتب نماذج من الغناء الديني، وما للموسيقى من تأثير روحاني يتجلى في الغناء الديني بأشكاله في القصائد والشعبيات والغناء التقليدي، ضاربًا مثل بألحان الموسيقار رياض السنباطي صاحب الألحان الوقورة ذات الطابع الديني، حتى ولو كانت تنتمي لألوان غنائية أخرى، ومن ألحانه ""نهج البردة، إله الكون، رب سبحانك دوما، ولد الهدى، حديث الروح، القلب يعشق كل جميل ويوم مولدك يا نبي....".

وتحت عنوان "آلات في مرمى الغضب"، يُشير قابيل إلى اعتراض بعض علماء المسلمين على استخدام الأوتار في الغناء، بحجة أن غناء الأفراح في العصر الإسلامي اعتمد على "الدف" كآلة أساسية، فيستعين المؤلف بآراء من أكدوا أن كل ما ورد في تحريم استخدام الوتريات غير ثابت عن رسول الله، فالآله الموسيقية وسيلة مثل كل ما اخترعه الإنسان يمكنه أن يستخدمها في الخير، وقد يستخدمها في فعل خبيث، كأن يستخدم هذه الآلات في حفلات عبدة الشيطان.

ويتطرق الفصل الأخير، للحديث حول نماذج من الدراما الدينية؛ ليؤكد على أن التليفزيون المصري كان سيد التليفزيونات العربية والإسلامية، حيث كانت جرعة الإنتاج الأساسية للمسلسلات الدينية التي يُلتزم فيها بتعاليم مجمع البحوث الإسلامية، أما الآن فقد تراجع التليفزيون المصري عن الإنتاج الديني، وأصبحت الخريطة البرامجية خالية تقريبًا من المواد الدرامية الدينية، ويشير المؤلف إلى أبرز الأفلام الدينية "الرسالة، القادسية، بلال مؤذن الرسول، فجر الإسلام والشماء...".

ويختم المؤلف كتابه بأن الموسيقى والغناء مرحلة حضارية راقية، لا تصل إليها الشعوب إلا بعد أن تكون قد تطورت وأن يكون الشعب مرهف الحس، لذلك قال حكيم الصين كونفوشيوس: "إذا أردت أن تعرف مكانة أمة من الرقي فابحث عن موسيقاها"، فالموسيقى مثل أي نشاط إنساني حلالها حلال، وحرامها حرام.