المزيد  
فاتح حسون لـ "أنا برس": أتينا للرياض بثوابت ثورتنا ولن نتخلى عنها
أربع ملاحظات رئيسية على مسودة البيان الختامي للرياض 2
الحل القادم للأزمة السورية وفق الرؤية الروسية الأمريكية
تفاصيل الجلسة الافتتاحية لـ "الرياض 2" بحضور المبعوث الخاص للرئيس الروسي
الأسباب الحقيقية وراء رفض "قدري جميل" المشاركة في اجتماع الرياض
منصة موسكو.. المتاجرة بالثورة‎
4 مؤتمرات حول سوريا خلال أسبوع والغائب الحاضر هي واشنطن
رئيس التجمع الوطني لقدامئ الثورة يوضّح أهداف حملة نرفض منصة موسكو

قيمةُ العملِ.. نماذجٌ مُلهمةٌ تتحدى الظروفَ الصعبة

 
   
11:08


 عبد الناصر

ثمة ظروف متباينة قد تجعل الحصول على عملٍ مناسب بالنسبة للكثير من الشباب أمرًا صعبًا، من بينها الظروف الاقتصادية العامة في بعض البلدان، والظروف الخاصة للبعض ممن يعانوا من ظروف كالإعاقة أو غير ذلك من ظروف صحية أو مجتمعية، بينما تبزغ العديد من النماذج التي نجحت في تحدي تلك الظروف كافة، وهي نماذج أدركت قيمة العمل وأهميته في بناء الإنسان والمجتمع.. وتزخر مجتمعاتنا العربية بالعديد من هذه النماذج المُلهمة التي ضربت مثالًا في احترام "قيمة العمل" باعتبارها أساسًا لبناء الأمة.

"صوت دمشق" تستعرض في ذلك الإطار بعض النماذج المُشرقة التي تُعلي من قيمة العمل، وكانت لها تجاربها الخاصة التي تبعث من خلالها رسائل واضحة للكثيرين ممن ركنوا إلى الدعة والتكاسل والتواكل.. نماذج تعلي من قيمة العمل، منها نماذج شبابية خلقت لنفسها فرص عمل خاصة، لم يتكبروا لكونها أعمال متواضعة، وشيوخ كبار ظلوا متمسكين بالعمل حتى مع ظروف صحية غير ملائمة يعانون منها.

المصري.. "لا للتواكل"

يرفع أحمد المصري (صاحب البضع وخمسين عامًا) شعارًا "لا للتواكل"، فرغم ضعف نظره الشديد لدرجة أنه يحتاج إلى من يقوده ذهابًا وإيابًا كي لا يتعثر، إلا أن ذلك لم يجعله يتواكل منتظرًا العون من أهل الخير والإحسان، بل يقطع يوميًا مسافة طويلة تصل لأكثر من 25 كيلو مترًا من منزله وحتى مكان عمله، حيث يعمل حارسًا على عقار مكونًا من 13 طابقًا في حي المهندسين الراقي بمحافظة الجيزة المصرية مع آخرين.

"فكّرت في بيع المناديل الورقية في إشارات المرور لزيادة دخلي، لكن ظروف ضعف نظري الشديد تمنعني من ذلك"

ورغم تعارض إعاقته البصرية مع ظروف عمله التي تتطلب يقظة دائمة، إلا أن المصري يقوم بمهام مُحددة في ساحة استقبال العقار الذي يحرسه من بينها استقبال الخطابات البريدية. يقول المصري "لا استطيع الجلوس في المنزل دون عمل، علاوة على أن لديّ ثلاثة أبناء في مراحل التعليم المختلفة، فإنني تربيت على احترام العمل وقيمته، وأنه على الإنسان أن يتعب ويعمل أيا كانت الظروف، وأن يتحدى كل المعوقات من أجل إثبات ذاته".

يستطرد المصري "حتى أنني فكّرت في أن أقوم بعملٍ إضافي لاسيما أن راتبي ضئيل ولا يكفي لسد حاجة أسرة مكونة من خمسة أفراد، حتى أني فكّرت في بيع المناديل الورقية في إشارات المرور لزيادة دخلي، لكن ظروف ضعف نظري الشديد تمنعني من ذلك، فأكتفي حتى الآن بعملي كحارس مع مجموعة حراس آخرين بهذا العقار إلى أن أخلق لنفسي فرصة عمل جديدة مناسبة لي مثل افتتاح محل صغير أو ما إلى ذلك حال تيسرت الأمور وتوافرت تكاليف افتتاحه".

أولاد العم.. "الاتحاد قوة"

بينما "عبد الله" صاحب البضع وعشرين عامًا، فهو خريج واحدة من "كليات القمة"، انضم إلى صفوف العاطلين عقب تخرجه، حتى لحق به أخوه واثنين من أبناء عمه.. رباعي ظروفهم متشابهة تمامًا، اتحدوا وبدأوا مشروعهم الخاص في منطقتهم معتمدين على سمعتهم الطيبة في المنطقة، فبدأوا بمشروع صغير لبيع (الزلابية) وهي نوع من الحلويات يشهر في مصر، إلى أن طوروا المشروع وضموا إليه صناعة الحلويات الشرقية بكافة أنواعها بعد نجاحهم.

يقول عبد الله إن الكثيرين قد سلكوا مسالك مُحرمة ومُجرمة قانونًا أيضًا، بدأوها من الإدمان حتى الإتجار في المخدرات للهروب من واقع حياتهم الصعبة في ظل عدم توافر فرص عمل مناسبة، وهو نفسه عُرِضَ عليه ذلك أكثر من مرة، لكن بدافع من ضميره ودينه رفض إلا أن يأكل عيشه بـ "عرق جبينه" كما يقول، فوجد أن ظروفه وأخيه واثنين من أبناء عمه متشابهة إلى حد بعيد، وأفكارهم متفقة في كثير من الأمور، فاستغلوا ذلك التوافق لبدء مشروع خاص، يقول عنه "حتى لو كان بسيطًا، فهو أولًا عمل حلال وشريف، وثانيًا نفتح من خلاله بيوتنا".

يتابع عبد الله "باعتباري خريج واحدة من كليات القمة كثيرًا ما يتعجب البعض من مهنتي تلك التي امتهنها الآن، لكنني فخور بها وسعيد جدًا، هي مهنة شريفة، لا تعيبني على الإطلاق، أي عمل شريف هو فخر للعامل فيه ولا يعيبه، ما يعيب الإنسان هو أن يظل بدون عمل.. العمل عبادة كما نقول، وعلى الجميع تشجيع المشروعات الشبابية الخاصة والمستقلة وعدم إحباط الشباب كي يستطيعوا التغلب على ظروفهم".

"عبد الناصر".. المطعم الدرّاج

وفي ظل ارتفاع نسب البطالة في بلده (تصل إلى نحو 13%) لجأ "عبد الناصر البدري" إلى خلق فرصة عمل لنفسه، استطاع من خلالها تأمين حياة كريمة له ولأسرته. فقام بالاعتماد على مشروع "المطعم الدراج" الذي يبيع فيه "الساندوتشات" للمارة والعاملين في المنطقة التي يمر فيها، وقد نجح في أن تربطه بهم علاقة وطيدة خلال الفترة الماضية، عبر أسلوبه الراقي في التعامل واهتمامه بالنظافة إلى أبعد حد.

 لم يجلس عبد الناصر ناقمًا على الظروف المعيشية الصعبة، جالسًا في بيته منتظرًا "الفرج"، بل راح يكد ويعمل حتى كان له عمله الخاص

لم يجلس عبد الناصر ناقمًا على الظروف المعيشية الصعبة، جالسًا في بيته منتظرًا "الفرج"، بل راح يكد ويعمل حتى كان له عمله الخاص الذي استطاع من خلاله أن يؤمن لنفسه حياة كريمة بعيدًا عن صفوف العاطلين، ليضرب بذلك مثالًا حيًا على "قيمة العمل" يحث من خلاله الشباب على "العمل في أي شيء مادام مشروعًا وحلالًا"، في رسالة يوجهها "عبد الناصر" للعديد من الشباب في الكثير من البلدان التي تعاني من أزمة بطالة.

و"المطعم الدرّاج" آلية لجأ إليها العديد من الشباب في مصر من أجل تأمين عمل لهم، ومن بينهم حاملي شهادات ومؤهلات عليا لم يجدوا عملًا وفي الوقت ذاته لم يتكبروا على أي عملٍ، وصنعوا مساحتهم الخاصة، وأضاف كل منهم لمسته الخاصة على المنتج الذي يقدمه لجذب "الزبائن" في منافسة شريفة على "لقمة العيش"، وسط محاولات لتقنين أوسع لتلك الفكرة التي تحل الكثير من المشاكل وتقلص نسبة العاطلين.

"مجد".. يُحقق مجدًا في هولندا

بينما الشاب السوري مجد دغمش فراح يبيع "الجبن" في بلد هي أساسا شهيرة بالجبن "هولندا". لم يستسلم مجد لظروف الهجرة خارج بلده، أو أن يتواكل على غيره في تأمين حياة أفضل له حتى عودته إلى سوريا، بل راح يفكر في أكثر ما يميزه لينطلق من خلاله في عمل جديد يحقق من خلاله ذاته في بلد الغربة، فكان مشروع صناعة "الجبن" السوري، إلى أن طوّر مشروعه ليكون مزيجًا من الجبن السوري والهولندي، حتى صار له متابعون و"زبائن" من الهولنديين، أشادوا بمذاق منتجاته.

يقول مجد إنه في سوريا كانت مهنته هي صناعة الألبان، وعقب أن خرج منها بسبب الظروف التي يشهدها البلد حاول أن يبدأ من جديد، فمر بعدد من المراحل والوجهات في بلدان عدة، إلى أن ذهب إلى هولندا، وبدأ مشروعه الخاص من خلال إطلاق صفحة عبر موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" نشر فيه "فيديو" لصناعة الجبن التي يجيدها (الجبن المشللة) الشهيرة في سوريا، وهو ما حاز إعجاب الكثيرين الذين طالبوه بالاستمرار، إلى أن تم عرض منتجاته في معرض هنالك، وبدأ منه رحلته مع صناعة الجبن في هولندا.

 لم يتوقف مجد عند ذلك الحد بل راح يصنع مزيجًا من الجبن السوري والجبن الهولندي، أطلق عليه اسم "شام دام" والشام نسبة للشام، ودام من "امستردام"، وهو المزيج الذي نال إعجاب الهولنديين.

نساء على الدرب

نماذج احترام قيمة العمل وتحدي الظروف من أجل إثبات الذات وجذب "مصدر رزق" مُعين على حياة كريمة ليست قاصرة فقط على الشباب أو الرجال، بل إن مجتمعاتنا العربية تحفل بالعديد من النماذج النسائية التي تضرب مُثلًا عليا في ذلك الصدد، من بينها ما لجأت إليه بعض السيدات في استغلال مواقع التواصل الاجتماعي والقيام بمهام "الطبخ" وعرض منتجاتهن على صفحات نسوية مختصة لبيعها للراغبين، نظير مقابل مادي مناسب، يحقق لهن الاستفادة المادية التي يُحسِّنَّ من خلالها دخول أسرهن، ويكن مشاركات فاعلات ونشيطات في تأمين حياة كريمة للأسرة، دون أن يكلفهن ذلك ترك بيتهن للنزول للعمل.

لم يتوقف مجد عند ذلك الحد بل راح يصنع مزيجًا من الجبن السوري والجبن الهولندي، أطلق عليه اسم "شام دام"

وضربت الكثير من السوريات في القاهرة على سبيل المثال مثالًا رائدًا في ذلك الأمر، حتى كن ملهمات للكثير من المصريات اللاتي حذين حذوهن، ورحن يسرن على الدرب. قامت العديد من السوريات سواء بصورة مستقلة أو عبر مجموعات من النساء إلى تفعيل فكرة "الطبخ للغير"، واستخدمن ذلك في نقل ثقافة الأكل الشامية إلى المصريين، من خلال طهي العديد من المأكولات السورية الشهية التي يقبل عليها المصريون بقوة.

اقرأ أيضًا: بالصور: سوريات يؤكدن صمودهن وتميزهن بـ "زيت زيتون"

نجحن في ذلك في تحدي ظروف الاغتراب وترك بلادهن وخلقن لأنفسهن فرصة عمل يستطعن من خلالها تأمين مصروفاتهن والمساعدة في حماية أسرهن في بلد الغربة.. لم تمنعهن ظروف ترك بلدهن من العمل، والعمل تحت أي ظرف. لم يتواكلن، فرحن يصنعن مشروعهن الخاص، وعلى نفس النهج سارت العديد من المصريات.

تقول لينا كساح (مؤسسة مطبخ زيت زيتون السوري في العاصمة المصرية) إن عائدات مبطخها تعود إلى الأسر السورية المحتاجة في مصر. مشددة على أن مشروعها بدأ من خلال تجميع عدد من صديقاتها اللاتي كن يطبخن بشكل منفرد في منازلهن، فرحن سويًا لتشكيل المطبخ الخاص بهن مجتمعات، واعتمدن على العلاقات الشخصية في الترويج والدعاية لمأكولاتهن في بادئ الأمر، ثم على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى صار المطبخ من أشهر المطابخ السورية في مصر، ولديه خطط للتوسع في المرحلة المقبلة.

كادر

 تؤمن السيدة "أم مُحمد" وهي زوجة لحارس عقار في مصر، بأن "تعليم أبنائها فرض" فهي تريد أن تضمن لهم مستقبلًا أفضل وتؤمن لهم تعليمًا مناسبًا كرسالة تحيا لأجلها وكرست حياتها لها، وفي هذا الصدد فقد اعتادت القيام بتقديم خدمات بسيطة لسكان الحي تدخر كل ما تجنيه من تلك الخدمات إلى "تعليم أبنائها". أنشطة عديدة تقوم بها "أم محمد" إلى جانب ما تقدمه هي وزوجها من خدمات حراسة العقار والقيام على بعض حاجات سكانه، من بينها بيع البيض والجبن الحاذق. تقول أم محمد "ما أقوم به من أعمال خاصة إلى جانب عملي في العقار هو عمل إضافي ادّخر عائده إلى تعليم أبنائي، فأنا أريد لهم مستقبلًا أفضل.