المزيد  
"مهرجان ليالي قلعة دمشق" يثير الجدل على مواقع التواصل
"مطر سيطرق باب نومي".. مجموعة جديدة للشاعر السوري حمزة رستناوي
المعارضة التركية تطالب بإعادة العلاقات مع نظام الأسد
النظام وحليفه الروسي يستهدف عشرات المدارس منذ شباط الماضي
"مسد" يوضح موقفه من بيع نفط سوريا لإسرائيل
"قسد" تعزز قواتها على الحدود السورية التركية.. وأردوغان يتوعد
حقيقة سحب "حزب الله" قواته من سوريا باتجاه الحدود اللبنانية
تعرفوا إلى أبرز القرارات التركية بحق اللاجئين السوريين في اسطنبول

"الفيل يا ملك الزمان".. الثورات المُجهضة والاستبداد الظافر

 
   
13:02

http://anapress.net/a/871076575945390
مشاركة


"الفيل يا ملك الزمان".. الثورات المُجهضة والاستبداد الظافر
لاجئون يقدون الفيل يا ملك الزمان- أرشيفية

حجم الخط:

في مسرح فارغ وزقاق ضيق وأمام بيوت بائسة مليئة بالأوساخ، تبدأ أحداث مسرحية "الفيل يا ملك الزمان" للكاتب السوري سعد الله ونوس، جو ثقيل مفخخ بالصمت القصير سُرعان مايتحول إلى حالة من التوتر والحزن والفزع. من الوحشة إلى الفزع، استياء فخوف يليه الخنوع هكذا تتصاعد أحداث المسرحية، وهكذا أيضًا تتجلى أجواء تلك العلاقة الأبدية المأزومة في ظل سُلطة مُستبدة وشعب خانع.

يبدأ النص المسرحي بعنوان "الفيل يا ملك الزمان".. جُملة لم تكتمل، لشكوى وثورة لا تملك القوة لإحداث تغيير فعليّ، هكذا يصير العنوان رديفًا لحالة النص، نداءٌ مبتور لا يجرؤ صاحبه على إكماله، نداءٌ لملك الزمان، لملك كل زمان لا يملك شعبه القدرة أو الجرأة على مواجهته بحديث مُكتمل ومُعارض، ولملك لا حدود لمُلكه وسلطته. عنوان مبتور يُكثّف الحمولة المعرفية والفكرية للكاتب بشكل رمزي لا تتضح الحدود الفاصلة لجده عن سخريته.

جاءت المسرحية موزعة على أربعة مشاهد: القرار، التدريبات، أمام قصر الملك، أمام الملك. يبدأ المشهد الأول من حادث مروع يتناقل عبر ألسنة الناس؛ ففيل الملك قد دهس طفلًا تحت قدميه في أحد الأزقة، تجري الأحداث في أجواء يسيطر عليها الكرب والفزع، تلك الحادثة التي باتت تتكرر حتى صارت هاجسًا لكل بيت ولكل أم، صار "الفيل" هو فزّاعة المدينة بأكملها، وباتت الحياة الآمنة وهمًا بعيد المنال، في ظل إطلاق سراح ذلك الفيل دون رادع  وخنوع مستمر لا تحده أي حدود، ومن ثم تبرز أجواء الصراع داخل النص كصراع داخلي نفسي.

المسرحية موزعة على أربعة مشاهد: القرار، التدريبات، أمام قصر الملك، أمام الملك
 

يمعن الكاتب في تصوير بشاعة الحادث؛ فالطفل الذي دهسه الفيل "لم يبق لجسمه شكل، كتلة ممعوسة من اللحم والدم، كان جسمه كمية من الدم والأمعاء متناثرة على الأرض"، ذلك الإمعان الذي يهدف من خلاله الكاتب إلى تجسيد الأزمة وتبيان بشاعتها، والتعبير عن الخطر الذي بات محدقا بالجميع من كل حدب وصوب، من شأنه أن يصنع مفارقة تتجلى مع رد الفعل الخانع والمستسلم، يُعيد الكاتب تصوير بشاعة لحظة القتل وصورة جثة الطفل عبر أعين أكثر من رجل، يتفق جميعهم على أنه "منظر يفتت الكبد" كما يتفقون في اللحظة ذاتها على أنهم لا حول لهم ولا قوة أمام جبروت الملك وفيله الأثير.

على المسرح، يبيت كل الرجال سواء؛ كلهم أرقام في قصة الشعب المُستبد به، لا تمييز لهم ما بقي صوتهم خانعًا وضعيفًا وواقعًا تحت وطأة الاستبداد والظلم والقهر دون محاولة للثورة أو الاعتراض، عدا زكريا الذي يخرج من القطيع ليحثهم على الاعتراض والوقوف في وجه الملك وفيله الذي عاث في الأرض فسادًا والذي قتل أبناءهم وأتلف بضاعتهم وأفسد حياتهم ونثر الخوف والفزع بين جنباتهم حتى باتوا عاجزين عن الحياة.

يأتي الفيل في النص حاملًا لدلالات عدة؛ فهو ضخم ليس من السهل السيطرة عليه أو سجنه أو تحجيم حركته، وهو حيوانٌ أثير لدى الملك مُعبر عن توجهاته وأفكاره، وممثل لبطشه وظلمه، ومن ثم فإن مجرد اعتراض طريقه يحمل نمطًا من أنماط المواجهة مع هذا الملك وما يمثله من سلطة استبدادية قمعية، وهي مواجهة لن يجيدها بأية حال شعب خانع حتى وإن كانت مع  أحد تجليات هذه السلطة وليس السلطة ذاتها ممثلة في الملك.

تبدأ المسرحية من ذروة الحدث وقمة الأزمة، موت الطفل، وتتكشف تفاصيل الحادث تدريجيًا، يبدأ الكاتب بوصف بشاعة الحادث ثم يتوغل ليصف كيفية حدوثه، "كان الأولاد يلعبون في الزقاق حين دخل عليهم الفيل، شخر شخيره المعتاد، وأسرع الخطى لامباليا بشيء. خاف الأولاد وجروا هاربين، إلا أن ابن محمد الفهد تعثر وارتمى. ولشدة رعبه لم يستطع النهوض من عثرته، فأدركه الفيل وداس فوقه".

يتكرر الحديث عن الموت، وتتصاعد الشكوى، وتتركز نبرة اللا جدوى واليأس من التغيير، "من نحن حتى نتحدث مع الملوك"، "العين بصيرة واليد قصيرة"، "لا أمان على شيء"، "الصبر مفتاح الفرج". يكشف الحوار الدائر في المسرحية عن البنية الفكرية لشعب غير محدد في زمان ومكان غير محددين، لكنهم أنماط مُتكررة ومُستمرة وراسخة؛ نمط يُصر على أنه لا يملك من أمره شيئًا، ويتخذ من الدين ذريعة لضعفه وخنوعه؛ لا يملكون من أمرهم سوى الدعاء والتذرع بالصبر كما أمر الله، نمط متواكل يستقبل المصائب وينتظرها ويشكو منها لكنه لن يخرج عليها، لأنه مُحمّل بأيدولوجيا الخوف وإرث الخنوع.

ولكن ثمة صوتًا آخر شذ عن إرث الخوف الثقيل، الضخم كالفيل ذاته، هو صوت الطفلة الذي يتكرر في تعليقات بريئة تُبين عدم تجذر هذا الميراث وتغلغله، بل وعدم منطقيته بالنسبة لجيل جديد، تتساءل الطفلة:  "لماذا داسه الفيل؟"، "ألن يعاقبوه؟"، تُطرح فكرة العقاب للمرة الأولى على لسان تلك الطفلة غير المشبعة بأيدولوجيا الخوف، ليجيبها الرجال: "ومن يستطيع أن يعاقب فيل الملك!"، "الملك يجب فيله كثيرًا". (اقرأ/ي أيضاً: زياد حمامي: أكتب الرواية من تحت أنفاس الخراب والاغتراب).

وبعيدًا عن صوت الطفلة الأكثر جرأة وفعالية من أصوات الرجال والنساء معًا؛ فثمة بُعد في مداخلات الرجال والنساء في العمل المسرحي. تأتي أصوات النساء في المسرحية مُتشحة بسواد الحداد، فعلها مُقتصر على الولولة، تتكرر جملة : "لا أمان على شيء" من قبل النساء أكثر من مرة، وتردد النساء النحيب ويتشاركن فيه "يا لوعة الأمهات"، "توجعي يا امرأة.. توجعي"، وبالمقابل فالرجال لا فعالية لهم ولا شجاعة على المواجهة في مثل هذا الموقف، وكأنما يريد الكاتب، وفق أيدولوجية ذكورية، أن يجعل الرجال، الذين يُنتظر منهم الإقدام والمواجهة على نفس درجة الضعف والخنوع التي تتسم بها النساء، فالطرفان عاجزان ولا يملكان سوى النحيب.

 يستدعي الكاتب اسم "زكريا" من التراث الديني، بكل ما يحمله من معان الصبر والثورة
 

يستدعي الكاتب اسم "زكريا" من التراث الديني، بكل ما يحمله من معان الصبر والثورة، كان زكريا نبي الله المبعوث إلى بني إسرائيل لدعوة قومه إلى عبادة الله في وقت طغى فيه الفساد واستبد فيه الملوك بجرائمهم وموبقاتهم، تعرض زكريا لأذى قومه وتوالت عليه الشدائد لكنه صبر  إلى أن تمكن العجز والشيب منه، وهنا زكريا يشحذ قومه للثورة على الاستبداد والطغيان، يصبر على ضعفهم وترددهم، إلى أن يقنعهم لكنهم يتولون عنه لأنهم أضعف من أن يواجهوا السلطة حتى وإن كانوا واقعين تحت أسر ظلمها واستبدادها.

ينطلق زكريا من توصيف الحال المشؤوم الذي حل ببلدتهم منذ عاث فيها الفيل فسادًا، وهو التوصيف الذي اشترك فيه مع جميع الرجال، فهو يعدد البلايا التي تسبب فيها الفيل "البارحة خرب بسطة عيسى الجردي"، "أبو محمد حسان كاد أن يودي به"، "وخربت مزروعاتنا. إلى الدعوة للتمرد ورفض الوضع القائم غير المقبول والذي يشي بمستقبل أكثر تأزما "يومًا بعد يوم ستزداد الضحايا وتكبر المصائب"، "يلذّ له الشر ويسرّه، أتعرفون تلك المخلوقات المصاصة للدماء، كلما تكاثرت ضحاياها ازدادت عطشًا للدم".

يصاعد زكريا من شعور الجموع بعمق الأزمة التي يحيون في كنفها، لكن يأتيه الرّد بأنه لا حيلّة لنا، هنا يحاول إقناعهم بضرورة المواجهة؛ الذهاب بشكواهم إلى الملك لكن الخوف ما زال يكتنفهم، وما زالت الأوهام والأقاويل حول الملك وفيله هي التي تتحكم في تفكيرهم وتُملي عليهم الانصياع، يقنع زكريا الجموع بأن "ما الذي يمكن أن يخيفنا أكثر من هذا البلاء المقيم. التهديد كالسيف فوق رؤوسنا. والضحايا تزداد من يوم إلى آخر"، ومن هنا تبدأ مرحلة التدريبات عل توحيد صوت الجماعة تهيئة للقاء الملك.

يبدأ المشهد الثاني "التدريبات" أمام باحة عامة، يحاول زكريا السيطرة على الجموع كي يخرج صوتهم قويًا وواضحًا ومعبرًا خير تعبير عن شكواهم، وأزمتهم التي تسبب فيها الفيل، يدرك زكريا كقائد لجماعة أن تفكك الأصوات وتشرذمها قمين بأن يضيع قضيتهم ويجعلها تذهب أدراج الريح، تجرى التدريبات لتوحيد الصوت. يؤكد زكريا أن "ما زلنا بعيدين عن الاتقان المنشود، إذا لم تصبح أصواتنا صرخة واحدة. إذا لم تكن كلماتنا مرتبة وواضحة لن يفهم الملك ما نلايد. لن يتأثر لحالنا أو يشفق على أوضاعنا".

من أمام قصر الملك يبدأ المشهد الثالث وهو مشهد قصير وحديث قصير يدور بين الرعيّة وحارس قصر الملك الذي يعكس تردد الجموع حتى اللحظة الأخيرة قبيل المواجهة مع الملك، ثم ها هي نظرة الاحتقار التي يحملها حارس القصر إلى جموع الجماهير رغم أنه واحد منهم في نهاية المطاف "قبل أن تدخلوا نظفوا أحذيتكم جيدًا، وانفضوا ثيابكم كي لا يهرّ منها قمل أو براغيث". (اقرأ/ي أيضاً: «الرواية السورية».. ثمانية أعوام من الاكتواء بنيران الحرب).

تأتي المواجهة في المشهد الرابع والأخير داخل قصر الملك،  يمتلك الجميع الخوف من هيبة القصر وحتى قبل أن يحادثوا الملك، يسكنهم التردد والفزع مرة أخرى من مشهد جموع الحُراس داخل القصر، فالقتل عندهم "أهون من التثاؤب"، وما إن يحل الملك حتى "تتجمد الملامح، يتحول الخوف صمتًا باردًا"، يتقدمهم زكريا ويعلن الجملة المبتورة من الشكوى "الفيل يا ملك الزمان" لكن لا أحد يُكمل الحديث، وباستثناء محاولة جريئة من الطفلة عندما تصمت الأصوات جميعها أمام رهبة الملك وفي حضرته، تنطق الطفلة: "الفيل.. قتل ابن.." فتجبرها الأم على السكوت بهلع، يسيطر الخوف والفزع على المشهد.

هنا تلك العلاقة بين جيل سابق تمور في أعماقه السلبية ويُحركه الخنوع، وجيلٌ جديد لم يترسخ فيه الخوف، لكنه يواجه من هذا الجيل السابق الذي قد يحد من حركته وشجاعته ما دام "طفلًا"، وطالما ظل فاقدًا للسلطة.

تصطدم بنية الخوف الراسخة في النفوس مع محاولات الثورة والاعتراض التي قادهم إليها زكريا، تتهاوى الشجاعة الزائفة التي مثّلت مجرد قشرة خارجية مع أول اختبار لها أمام عرش الملك، ربما لأنها عابرة وزائفة وغير مترسخة، وربما لأن شجاعة لا تملك القوة أو السلطة أو الحماية لن يُقيض لها الصمود.

يردد زكريا "الفيل يا ملك الزمان" ولا يجيبه سوى الصمت، ينظر إلى الجموع يائسًا ومقررًا الانتقام من جبنهم وتقاعسهم عن التقدم بالشكوى للملك، فيقرر زكريا أن يصير المطلب الجمعي ممثلا في عبارة "الفيل يا ملك الزمان" مُعول هدم لفكرة الاعتراض، ويتحول الطلب إلى تأييد وحب لذلك الفيل "فكرنا أن نأتي نحن الرعية فنطالب بتزويج الفيل كي تخف وحدته، وينجب لنا عشرات الأفيال، مئات الأفيال، آلاف الأفيال، كي تمتلئ المدينة بالفيلة".

 يصدر الملك قراره بالاستجابة لمطلب رعيته، فحينما لا تُمتلك القوة أو الشجاعة الحقة لمواجهة الاستبداد أو الظلم فلا ينبغي إذن معاودة الشكوى أو التذمر، لا بد من تحمُل المزيد، أفيالٌ أكثر، تتناسل لتطيل أمد القمع الذي يأتي لمن يستحقونه. هكذا توجد الفيلة وتتكاثر وتتناسل الحكايات، وهي حكاية؛ "حكاية دموية عنيفة"، فالفيلة  تتكرر وتتكاثر في كل زمان ومكان، طالما ظلا الخنوع والتردد مُتسيدّين.