المزيد  
طريقك للوقاية من أنفلونزا الشتاء
بالأرقام.. صحيفة موالية تكشف عن عدد العائدين إلى سوريا
الجامعة العربية: عودة سوريا لن تتم إلا بحل مسألة ارتباطها بإيران
حقيقة إرسال 14 ألف جندي أمريكي للشرق الأوسط
قتلى وجرحى لقوات النظام بهجوم لـ "تحرير الشام" في محور "أم التينة" في ريف إدلب
تحذيرات روسية لـ "الأسد" لدفع العملية السياسية.. هل نفذ صبر روسيا على الأسد؟
مظاهرات في ريفي درعا ودمشق تطالب بإسقاط نظام الأسد وخروج الميليشيات الإيرانية
القمة الخليجية.. هل تمهد لموقف جديد من النظام السوري؟ (دبلوماسي يجيب)

"مات تحت التعذيب" .. صرخة تشكيليّة في وجه الموت السوري

 
   
12:49

http://anapress.net/a/686156391872383
مشاركة


"مات تحت التعذيب" .. صرخة تشكيليّة في وجه الموت السوري
جانب من الصور بالمعرض

حجم الخط:

في معرضه الفردي الثاني، المُقام حاليًا في محافظة دالسلاند جنوب السويد، بعنوان "مات تحت التعذيب"، يُصوِّر الفنان السوري حبيب الراعي مآلات الذُل والمهانة الإنسانية التي يتعرض لها السوريون جراء تعذيبهم في أقبية النظام، يُمعن الفنان التشكيلي في التركيز على الوجوه المُشوّهة والأعين المجوّفة لتصير اللوحات المعروضة مرثية لإنسانية تتآكل وتتلاشى تحت وطأة التعذيب والمهانة اليومية في سوريا.   

ثمة شحنة انفعالية وثوريّة بصورة ما تُطل برأسها وتتبلور تجلياتها بدءًا من عنوان المعرض "مات تحت التعذيب" وحتى أصغر اللوحات المعروضة، يُبيّن الراعي أن العنوان كان إشكالية بحد ذاته بالنسبة إليه، فقد بدا إنه استفزازي وربما سياسي، الأمر الذي لا يستسيغه السويديون فهو يتميز بالتنفير خاصة في هذه الأجواء الصيفية الرائعة التي يحتفلون بها بشكل مميز ويبتعدون عن أية منغصات. لكن يظل قتل أكثر من سبعة عشر ألف إنسان بصورة وحشية وبموت بطيء مُتجاوزًا لأي عقل أو منطق، خاصة وأنه يمارس وما يزال من قِبل النظام الذي من المفترض أن يحمي شعبه لا أن يقتله بهذه الطريقة الهمجية، فهو حدث ملموس واستثنائي، إنها مأساة بشرية مرصودة، وموضوع فرجة من قبل مشاهدين متواطئين منذ سنوات مع هذا العرض اليومي لموت السوريين السهل. فالمسألة في أساسها إنسانية صرفة، وهي قضية موقف أخلاقي لا تحتمل اللا مبالاة، قبل أن تتجلى تشكيليا، خطوطا وأشكالا وألوان. لذلك فالتعذيب أو الموت تحت التعذيب لم يكن موضوعًا لعمل تشكيلي بقدر ما كان صرخة إنسانية في وجه الموت وتوقا للحياة.

موقف أخلاقي

بدأ الراعي منذ ما يقرب من ثلاث سنوات رسم أولى لوحات هذا المعرض ولم تكن هناك أية نية لإقامة معرض خاص بهذا الموضوع، لكن المصادفة قادته لذلك، وهو ما يوضحه بقوله في تصريحات خاص: "منذ سنة كنت في زيارة لمعرض صديقتي التشكيلية السويدية لينا فالدو، وقد أعجبت بقاعة العرض والتي تقع ضمن مركب فني كان في السابق معمل ورق قديم، تُرك على حاله وحُوِل إلى قاعات عرض للأعمال الفنية وورش للفنانين التشكيليين، من هنا انطلقت الفكرة بإقامة معرض خاص بتلك الأعمال التي بدأتها بتوظيف تشكيلي لهذا الفضاء والذي سيبرز اللوحات ومضموناتها بشكل فعال، فكان معرض" مات تحت التعذيب".

ويتابع: من الطبيعي أن يتساءل المرء عن الجدوى من إقامة معرض تشكيلي عن التعذيب والموت والهلاك في سورية في بلد مسالم في أقاصي الشمال الأوربي! لكني مؤمن بأن كل إنسان مُطالب بإبراز موقفه وبطرق سلمية تجاه أية قضية إنسانية في هذا الكون بعيدا عن حسابات الجدوى، كلٌ بطريقته وأنا اخترت طريقة التشكيل والفن، وهذا موقف أخلاقي وأضعف الإيمان. (اقرأ/ي أيضاً: نذير نبعة.. أحد رواد الفن التشكيلي السوري (بروفايل)).

مرايا الغياب

 في لوحة بعنوان "مرايا الغياب" وهو العنوان ذاته الذي تحمله إحدى قصائد الشاعر السوري فرج بيرقدار، يرسم الراعي وجوهًا على مربعات صغيرة مُتشحة بالفزع ومُفرّغة من إنسانيتها، يتحدث الراعي عن تلك اللوحة قائلًا: "منذ فترة وقعت على عدد كبير من القطع الخشبية القديمة مربعة الشكل، وبقيت مُلقاة على أرضية المرسم تنتظر مصيرها، ثم بدأت أُلاحظ وأشاهد فيها أشكالاً لوجوه بشرية تتجلى من بين الشقوق الخشبية والثقوب وبقايا الألوان والتراب والمتغضنة بالعذاب والبؤس، فبدأت بالرسم فوقها بإضافات بسيطة دون تعسف على المحمل الخشبي، وهكذا رسمت الوجوه الكامنة في جميع القطع الخشبية في كل قطعة مربعة وجه مختلف. وإن كان ما قمت به هو استنباط لشيء موجود أصلا، أو بتعبير بيكاسو: "أنا لا أبحث، أنا أجد".

يستطرد الراعي: لقد حاولت أن أشحن تلك الوجوه بكل تحولات الخوف وتضاريس الفزع، بكل ما مرت به من أطوار العذاب، وكل ما كانت تتوق إليه في لحظة فاصلة على تخوم الحياة والموت، ما فعلته كان نوعًا من "التعذيب التشكيلي" على تلك الوجوه  من خلال  سيرورة غير منضبطة وأحيانا عنيفة على الخامات والمحمل، كل ذلك نراه في تلك الوجوه وكأننا ننظر في مرآة. أما عنوان هذه اللوحة "مرايا الغياب" والذي هو عنوان قصيدة للشاعر السوري فرج بيرقدار والذي تجمعني به قرابة وجدانية وفكرية تعود لأكثر من ثلاثين سنة دون أن نلتقي، هذا الشاعر الذي أمضى في رحلة الغياب أكثر من أربعة عشر سنة في أقبية النظام، فقد وجدته مناسبًا جدا لهذه اللوحة، والتي أصبحت مؤلفة من ستة وتسعين لوحة صغيرة، جميعها تُمثل وجوه معذبة، مقهورة، مشوهة، ومنهزمة في أعماقها أصبحت في عداد الغائبين، لم يتبق منها شيء سوى ملامح بائسة على مرايا مهشمة، في ثنائية الحضور والغياب، والمرايا هنا غير مُغرية بل مُنفرة ومُخيفة، تعكس خيباتنا وتشوهاتنا، تستفزنا لنعيش توقًا ورغبة في تحطيمها.

تعضيد الدلالات

تبدو الجدران التي عُرضت عليها لوحات المعرض منسجمة تماما مع ألوانها وتفاصيلها بشكل جعل قاعة العرض مُتآرزة مع اللوحات في دلالات واحدة، ويلفت الراعي إلى أن القاعة موجودة في معمل مهجور تحوّل إلى فضاء تشكيلي، لعرض الأعمال التشكيلية وحتى العروض المسرحية، إذ تستعمل القاعات على حالها القديم المهترئ، بجدرانها المتشققة والمتصدعة وحتى الآلات القديمة وكل مكونات المصنع . (اقرأ/ي أيضاً: مآسي الحرب في عيون الفن التشكيلي).

من جهة أخرى، هنالك جانب غير مرئي في القاعة يتمثل بالرائحة؛ رائحة الرطوبة المنبعثة من الجدران المُشبّعة لسنوات طويلة برطوبة عجينة الورق التي كانت تُخزّن في أحواض ويصنع منها الورق في هذا المصنع. كذلك يتسم المكان بالظلام والعتمة، كل تلك العوامل جعلت هذا الفضاء أكثر من ملائم لموضوع المعرض، لقد بدا وكأنه قبو من أقبية التعذيب المتوفرة بكثرة في معتقلات النظام السوري، أقبية الظلام والوحشة والغياب.

التضاد اللوني

يتوقع القارئ لعنوان المعرض أنه سيعاين تفاصيل عمليات التعذيب، والكثير من الجثث في لوحات مُخضبة باللون الأحمر لكن لوحات معرض "مات تحت التعذيب" خالفت ذلك التوقع؛ إذ طغى اللونان الأبيض والأسود بدرجاتهما على اللوحات فيما توارى اللون الأحمر ليظهر في  تفاصيل بسيطة ودقيقة لا تطغى على اللوحات.

يُبين الراعي أن الجميع أصبحوا يعرفون تفاصيل ما يحدث في أقبية الرعب في جمهورية الخوف السورية، لذلك لا يجد حاجة لإعادة سرد تلك التفاصيل أو توثيقها، فكل ما أراده هو رصد حالة الخوف وأطوارها التي شوّهت الوجوه والرعب الذي سلخ الأرواح عن أجسادها، وتلك الصرخات العاجزة واليائسة، فاللوحات توثيق للخوف في الأقبية المُظلمة حيث تغيب الإنسانية ويتجلى الجنون والمرض والتلذذ بالتعذيب والقتل، ومن ثم كان اللونان الأسود والأبيض وما بينهما من رماديات الأقدر والأنسب على تغليف ذلك الخوف واستحضاره في لعبة التضاد ما بين الأسود والأبيض، ما بين النور والعتمة. إنه نوع من التقشف اللوني، الذي يخدم التعبير ويذهب به إلى حدوده القصوى. فقد أراد لتلك الصور أن تهز كينونتنا حتى الأعماق، وأن يتسرب الخوف من عيونها المُجوّفة إلى ثنايا ذواتنا، لتهز مشاعرنا المضطربة أصلا، وتنقل لنا العدوى بالخوف والرعب والوجيعة والهزيمة.

يبلغ عدد لوحات المعرض اثنين وثلاثين لوحة، مختلفة الأحجام والقياسات منها الصغير 10×10 سم، ومنها الكبير 220×80 سم، وبتقنيات مختلفة ومتنافرة مثل الأكرليك والزيت وكذلك أقلام الفحم والرصاص، وبعضها مُنفّذ بتقنية الكولاج ومواد أخرى كالرمل والمسامير والحرق، وقد جاءت على عدة محامل أغلبها على قماش والبعض على خشب وكرتون وكذلك الورق. 

يختلف هذا المعرض عن المعرض الأول الفردي للراعي، فبينما كان المعرض الأول تجريديا تماما، بالعمل على المفردة التشكيلية كوحدة زخرفية ضمن تكوينات تعتمد الإيقاع اللوني كموضوع أساسي لها، وتم الاشتغال فيها على نواحي تشكيلية صرفة، باعتماد السرد البصري بدلا عن السرد الحكائي والقصصي. يأتي معرض" مات تحت التعذيب" واضحًا في موضوعه ودلالاته، ولو أن الأسلوب لم يكن واقعيا أو تشخيصيا تماما لكنه اعتمد تحوير الأشكال والتضحية بالتشخيص والتشريح والرسم الواقعي لصالح التعبير.

الفن والواقع

يختم الراعي بالحديث عن العلاقة بين الفن والواقع التي يراها إشكالية متجددة، ويوضح رأيه قائلًا: "الفن حتى وإن لم يعبر عن الواقع الإنساني المعيش واليومي والوجودي فهذا لا ينفي صلته بالواقع والوجود، فهل كان كافكا ينتمي إلى واقعه؟ وهو الذي لم يطبع أي كتاب من مؤلفاته، وأوصى بحرق كل ما كتبه. الفن دائم الصلة بالواقع حتى عندما ينفيه أو  يتنكر له، وتكمن جمالية الفن في هذه القدرة المتجددة على الاختلاف والإدهاش والتنوع، فهو التوق الدائم للحرية والتحليق في الواقع وما فوق الواقع، برؤى خاصة ومتفردة وغير متوقعة.

ويستطرد: لا شك أن الثورة السورية تحت ضغوطات مجرياتها ومآلاتها قد وضعت الفنان في موضع المسؤولية، وحتى المسائلة، مسؤولية التعبير عنها وعن طموحات السوريين في نيل الحرية، وفضح ممارسات النظام، أي كل ما يتصل بالواقع السوري كمجريات وأحداث، لكن في  الحقيقة لا أجد أن ذلك لزاما على الفنانين القيام به، فقد يظل الفنان يرسم الطبيعة والزهور بسويّة فنية كبيرة، وهو بذات الوقت مع ثورة شعبه ومدافعا عن حقه بالحياة والحرية. وربما تكون أعماله أهم  فنيّا وتشكيليّا من فنان يرسم لوحات عن الثورة، وبنفس الوقت هناك من تناول مواضيع من واقع الحراك الثوري السوري بسويّة فنية عالية




معرض الصور