المزيد  
إدلب وجدية الدعم الأمريكي لتركيا
أيقونة الثورة بيد نظام الأسد
من جديد.. تركيا تسيّر دورية مشتركة مع روسيا شمال شرق سوريا
الفصائل تعلن تحرير النيرب الإستراتيجية.. وجبل الزاوية تحت نيران الأسد
مع قرب انتهاء المهلة التركية.. مازالت قوات الأسد تتقدم في جنوب إدلب
إسرائيل تقصف دمشق للمرة الرابعة منذ بداية 2020
ماذا لو .. أُجبر الأسد على الانسحاب.. أو تراجع أردوغان عن تهديداته؟!
"سوريا الأسد".. بالمرتبة الأولى عالميا للدول الأكثر فقرا

هشاشة العلاقات الإنسانية في لوحات السوري بهرم حاجو

 
   
11:22

http://anapress.net/a/190572375034694
مشاركة


هشاشة العلاقات الإنسانية في لوحات السوري بهرم حاجو

حجم الخط:

تظل العلاقات الإنسانية لاسيما بين الرجل والمرأة من أعقد العلاقات وأكثرها إشكاليّة، وفي زمن تطغى فيه الفردية ونزعة الأنا على دفء العلاقات يبقى الإنسان في مواجهة عزلته حتى  في أكثر لحظاته حميمية. وفي تلك الأجواء من الحزن والكآبة المنبعثتين من آفاق العزلة غير المحدودة التي يقبع الإنسان الحديث تحت سطوتها، استضافت القاهرة مؤخرًا معرض الفنان التشكيلي السوري بهرم حاجو، الذي عكس من خلال لوحاته آفاق تعبيرية شجيّة. 

عشرون لوحة محورها الإنسان قدّمها حاجو في معرضه المميز بالقاهرة، الذي أقيم في الفترة من 26 نوفمبر حتى 7 ديسمبر. من وراء الجسد العاري يُمكن استصاء الوقائع المؤلمة والرغبات المقصيّة ومعاناة الكائن الكامنة في أعماقه والتي تتخفى وراء قناعات عدة يسعى حاجو في لوحاته إلى أن ينزعها كي يُظهر ما يتخفى ورائها، تحيل اللوحات إلى العلاقات الملتبسة مع الآخر  بين ما هو مأمول وما هو متحقق، آفاق من العزلة اللانهائية تُطل من الوجوه والعيون وتحدّق في الفراغ الشاسع.

عشرون لوحة محورها الإنسان قدّمها حاجو في معرضه المميز بالقاهرة
 

تعكس الوجوه والأجساد المتعاكسة في لوحات حاجو حالة من التنافر والبُعد النفسي رغم الاقتراب المادي، وتظهر العلاقة الملتبسة بين الرجل والمرأة من خلال النظرات المصمتة والحزينة التي تحدق في اتجاهات مختلفة، لا يمثل البُعد الإيروتيكي في اللوحات المغزى النهائي لها، فخلف تلك العلاقات الجافة الفاقدة للدفء والحميمية ثمة انفتاح على عالم من الوحدة والخوف والألم لا يقدر الآخر أن يلجه لدى شريكه رغم اتحاده الجسدي الظاهر عيانًا. ومن هنا يستشكل حاجو في أعماله الفنيّة فقدان الدفء والترابط والبرودة العاطفية التي تتجلى وتتجسد في الجفاء الجنسي أو رغما عنه، وربما هو يرسم أعماقه بدرجة ما لاسيما مع معاناته من الاغتراب والوحشة.

تأتي ضربات الفرشاة الزرقاء على عيون أفراد اللوحة لتشير إلى حالة الجفاء والبرودة في النظر إلى الآخر، كجليد يُجمد الرابطة الإنسانية ويُقصي عنها الدفء،  وتحمل انحناءات الجسد تعبيرًا عن الحالات الشعورية للأفراد المفعمة بالوحدة والحزن والألم، ذلك الحزن الذي نعانيه منفردين وحتى حضور الآخر لا يستطيع أن يُبدده أو يُخففه بل ربما يسهم في تعزيزه وتوجيه الانتباه إليه. (اقرأ/ي أيضاً: بالصور.. فنان سوري يسرق الأحزان).

دلالات الألوان

في مقابل الوجوه المُصمتة والنظرات الفارغة التي تحدق في اللاشئ، تحمل الألوان دلالات تعبيرية معززة لأجواء الحزن المُسيطرة على اللوحات، فالرمادي الذي يهيمن على خلفيات معظم اللوحات يحيل إلى العدم أو ربما الأفق غير المحدود ليعمق الشعور بالوحشة إزاء شساعة العالم، أما الأسود الذي يظلل العيون والوجوه والأجساد في عدد من اللوحات يؤكد حالات الحزن غير المحسوسة والمُدركة، في لوحات أخرى يشيح عنها الآخر بعيون يكسوها الجليد، وفي أعمال أخرى يتشارك الرفيقان في الحزن والألم.

ويأتي اللون الأحمر  بكثافة إلى حد ما ليحمل آفاقًا تعبيرية تتصل بالماء التي تسيل في الوطن جراء التشاحنات والاختلافات والروابط الممزقة بفعل الحرب، وأحيانًا يأتي الأحمر ليفتح العديد من الآفاق الأخرى التي تختص بها كل لوحة، وليفرض الخرس على الشخوص ويكمم أفواهها كتجسيد لتأثير العنف السائد، واستخدم اللون البرتقالي في لوحة يغطي فيها جسد امرأة ليشير إلى وهج الرغبة غير المُشبعة والتي تُقابل بجسد الشريك المتعاكس والرمادي لتصير نظرتها مُعبرة عن الألم والمعاناة في مقابل انحناءة جسد الرجل واستدارته العاكسة لحالة اللامبالاة تجاه الآخر والانشغال بهموم الذات الفردية، ولكن ضربات الفرشاة الخفيفة أيضًا تمارس دورها التعبير في تلك اللوحة وغيرها من اللوحات، فاللون البرتقالي الذي يغطي وجه المرأة ومعظم جسدها يمس طرف ذراع وساق الجالس بجوارها ليعكس حجم التنافر وعدم الانتباه الذي يُبديه الشريك.

وقال رئيس قطاع الفنون التشكيلية خالد سرور عن معرض حاجو: "أعتبرها إطالالة متميزة لفنان متألق حقيقة.. تعدد روافد ثقافته أكسبه زخمًا وجرأة متفردة في تناول موضوعاته الفنية التي تتمحور حول لغة الجسد الإنساني ودلالاتها المعنوية والوجودية أيضًا، فمعاناته كإنسان انعكست بشكل كبير على مشاهده الصادمة أحيانًا ولكنها تضع المشاهد أمام رؤيته وأحاسيسه مباشرة وربما أمام حقيقته هو، فلديه القدرة على التوغل إلى الأعماق الدفينة، مشاهد تصويرية يكسوها الحزن والغضب والرافض أو النقد في أبسط صورها. فريشته تحت وطأة مشاعر الغربة والحنين وربما الخوف، وأرى أن حياته في أوروبا أكسبته جرأة جميلة حين يتناول العلاقات الاجتماعية بين الرجل والمرأة خاصة تلك في المجتمعات الشرقية".

فنان سوري

جدير بالذكر أن الفنان السوري بهرم حاجو ولد في قرية ديرون شمال سوريا عام 1952، ثم انتقل إلى العراق في سبعينيات القرن الماضي، وفي عام 1974 غادر الأراضي العراقية إلى برلين عبر العاصمة التشيكية براغ، انصرف حاجو إلى دراسة الفن التشكيلي منذ التسعينيات، وأقام معرضه الفني الاول في متحف مدينة بوخوم بألمانيا عام 1983. في منتصف الثمانينات أقام حاجو ما يزيد على أكثر من مئة معرض، وفي عام 2018 أقام حاجو في الولايات المتحدة لعدة أشهر أسفرت عن أكثر من 20 عملًا كبيرًا في الأتيليه الخاص به في نيويورك.

بدأ حاجو مشواره الفني بتصوير الريف متأثرًا بطفولته في قرية سورية أفتتن صغيرًا بجمالها وبساطتها فانصبت ريشته على تصوير جماليات الطبيعة لكنه تحوّل عن ذلك بدءًا من التسعينيات نحو الاهتمام بالجسد الإنساني وحمولاته النفسية والاجتماعية، ومن خلاله بث تعبيراته عن الخوف والعزلة والآلام الإنسانية. يوضح حاجو في حوار سابق له أن أسلوبه الفني قد تأثر بالتعبيرية الألمانية قائلًا: " كنت أزور المتاحف ومعارض الفنانين الألمان والرواد التعبيريين، أمثال جماعة "الفارس الأزرق": كرشنر Kirchner ، أوتو مولر Otto Muller ، بيتش شتاين Peschstein، والمعاصرين مثل ماركوس لوبرتس Markus Lupertz وبازليتس Baselitz وريتشتر Richter، وتأثرت بمواضيعهم النقدية الإنسانية والاجتماعية والسياسية. كانوا مهمَّشين فنياً، وعانوا حياة مريرة، وكنت أشعر بأني أنتمي إلى هذه المجموعة الفنية المضطهدة".




معرض الصور