المزيد  
فقط في سوريا.. بناء مشفى من "اللاشيء" تقريبًا بجهود تطوعية
شرق الفرات على صفيح ساخن.. هل يبدأ التوتر التركي الأمريكي مجددا؟
ربي كما خلقتني يا حسين
كواليس خلاف بين الفصائل على إدارة "إدلب" يكشفها قيادي سابق
هكذا علق جيش الإسلام على قرار النظام بإعدام قائده
"أبو الولدين".. قصة كفاح سورية على أرض مصرية
في سابقة من نوعها.. الاعتراف بأن أزمة الغاز في سوريا مفتعلة لإشغال الناس
تردي الأوضاع في الركبان.. وموسكو تحمل واشنطن المسؤولية

مشاهد من غازي عنتاب.. طفلة ومدير وحكومة

 
   
16:00

http://anapress.net/a/118176572429471
535
مشاركة


مشاهد من غازي عنتاب.. طفلة ومدير وحكومة
سوريون في تركيا- أرشيفية

حجم الخط:

مشهد 1

تقترب الساعة من الحادية عشر ليلاً، أزقّة عنتاب القديمة التي تشبه -إلى حدّ التطابق- أحياء دمشق القديمة، خالية تماما، إلّا من تلك الطفلة التي تتكوّر بجانب مسجد أثري، وقد التصقت ما بين عمود المسجد والجدار، علّها تحصل على قليل من الدفء في ليلة شتائيّة باردة وموحشة.

للوهلة الأولى كان المشهد مرعباً، فتلك الطفلة التي تشوّه وجهها ويداها نتيجة حروق أصابتها على ما يبدو، قفزت أمامي بشكل مفاجئ، وكأنّها وجدت ضالّتها، أو على الأقلّ وجدت من يمكن أن تمدّ يدها إليه علّه يشتري منها علبة مناديل صغيرة بليرة تركيّة واحدة، أي ما يعادل 20 سنتاً.

-ما اسمك؟ فاطمة

-ماذا يعمل والدك؟ والدي لا يستطيع العمل لأنّ قدمه مبتورة

ووالدتك؟ لا شيء

من ينفق عليكم؟ أنا وإخوتي نعمل في بيع المناديل.

بعد لحظة صمت كنت أبحث خلالها عن طريقة لأعرف سبب الحروق التي أصابتها، دون أن أحرج طفولتها أو أجرح مشاعرها البريئة، يدفعني لذلك فضول الصحفي ربّما. هل بتر قدم والدك بسبب حادث تعرّض له؟ نعم ففي مدينة حلب أصيب بيتنا بقذيفة، تسبّبت ببتر قدمه وإصابتي بحروق.

مشهد 2

يخلع مدير إحدى المنظّمات الإنسانيّة معطفه الأسود، ويضعه على كرسي بجانبه، يحرّر ربطة عنقه قليلا ويفتح زرّ ياقة قميصه؛ فالحرارة داخل الخيمة المغلقة التابعة لأحد المطاعم المنتشرة في منطقة "غازي مختار باشا" أصبحت مرتفعة جدّا، نتيجة المدافئ المنتشرة في أرجاء الخيمة، يمسك بقائمة الأطعمة، يطلب كميّة طعام لا تكفيه هو والموظّفة لديه التي تجالسه على الطاولة فقط، بل تكفي لسدّ رمق عائلة طفلة المناديل أسبوعا كاملا.

ينهي المدير طعامه، يحمل النادل أطباق الأطعمة ممتلئة، لم ينقص منها إلّا القليل، يطلب كوبين من الشاي وأركيلتين، ليبدأ النقاش مع الموظّفة عن سبل تقديم مشروع للمنظّمات الدوليّة الداعمة، هدف المشروع تقديم الدعم الإنساني للعائلات السوريّة. ينتهي النقاش، يطلب المدير الحساب، فيدفع ما يكفي لأن يطعم أسرة سوريّة متوسّطة أسبوعا كاملاً، ويعطي "بقشيشا" للنادل بقدر ما تكسبه الطفلة فاطمة في أسبوع أيضاً. 

اقرأ/ي أيضًا: ليست الأولى.. معارِضة تُركية تدعو لقرارٍ ضد أكثر من ثلاثة ملايين سوري

مدينة المؤسّسات

مشهدان سابقان لم يجتزأ أيّ منهما من قصّة للكاتب هانس كريستيان أندرسن أو ليون تولستوي أو غيرهم، بل هي مشاهد اعتاد السوريّون رؤيتها بشكل يومي، اعتادوا على مشاهدتها في مدينة تضمّ أكبر تجمّع للمنظّمات الإنسانيّة والإغاثيّة السوريّة، ناهيك عن وجود مؤسّسة فيها يقول أصحابها إنّها حكومة مؤقّتة للسوريين، حكومة منعها إيقاف الدعم عنها حتّى عن إصدار بيان يدين مقتل الطالبة السوريّة غنى أبو صالح أو تقديم العزاء لأهلها الذين لا يبعد منزلهم أكثر من ثلاثة كيلومترات عن مقرّ الحكومة.

الأمل الوحيد

لا يبدو أنّ هناك حلّا سياسيًا أو عسكريًا يلوح في الأفق لمشكلة سوريّة تمّ تدويلها بقرارات لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا يبدو أنّ بيئة أمنة ستكون جاهزة قريباً من أجل عودة السوريين إلى ديارهم، لذلك يبقى الأمل الوحيد معقود على رجال الأعمال من خلال إقامة مشاريع في تركيا، يتم تشغيل الأيدي العاملة السوريّة فيها، ويخصّص جزء من إيراداتها للأعمال الإنسانيّة الخيريّة، فالسوق التركية من أهمّ الأسواق العالميّة، والسوريون في تركيا لديهم القدرة على العمل والإنتاج، وأمّا غير ذلك فإنّ المأساة ستكون مضاعفة إن لم تمتدّ لهم يد العون.

*الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي صاحبها، وليس بالضرورة رأي المؤسسة. 




كلمات مفتاحية