المزيد  
طريقك للوقاية من أنفلونزا الشتاء
بالأرقام.. صحيفة موالية تكشف عن عدد العائدين إلى سوريا
الجامعة العربية: عودة سوريا لن تتم إلا بحل مسألة ارتباطها بإيران
حقيقة إرسال 14 ألف جندي أمريكي للشرق الأوسط
قتلى وجرحى لقوات النظام بهجوم لـ "تحرير الشام" في محور "أم التينة" في ريف إدلب
تحذيرات روسية لـ "الأسد" لدفع العملية السياسية.. هل نفذ صبر روسيا على الأسد؟
مظاهرات في ريفي درعا ودمشق تطالب بإسقاط نظام الأسد وخروج الميليشيات الإيرانية
القمة الخليجية.. هل تمهد لموقف جديد من النظام السوري؟ (دبلوماسي يجيب)

"سجون نختار أن نحيا فيها".. تأملات دوريس ليسنج في التطور الإنساني

 
   
09:00

http://anapress.net/a/602849228344535
مشاركة


"سجون نختار أن نحيا فيها".. تأملات دوريس ليسنج في التطور الإنساني
دوريس ليسنج- أرشيفية

حجم الخط:

تُمثل التأملات التي تنضح بها قرائح المُبدعين أهمية كبرى في الكشف عن الإشكاليات الفكرية المُهيمنة على إبداعهم وفكرهم، وفي الآن ذاته، يُمكن أن تصير تلك التأملات بمثابة المرآة التي تكشف عن أزمات أو أفكار  تحتل مركز الصدارة في العالم الحديث وتتخفى في تمظهرات يومية لا يكشف عنها سوى عين متأملة. 

في الترجمة الصادرة حديثًا لكتاب "سجون نختار أن نحيا فيها" للكاتبة البريطانية دوريس ليسنج، تعرض الكاتبة في خمس مقالات أفكارها حول همجية البشر  بين الحاضر والماضي، وإلى أي مدى أسهم التطور الإنساني في الحد منها وما هو الدور الذي لعبه ذلك التطور في تعزيز أشكال من الهمجية والوحشية البدائية التي لم تكن موجودة بالشكل ذاته آنفًا. 

نشرت دوريس ليسنج ما يزيد على ثلاثين كتابا من بينها سلسلة أطفال العنف المكونة من خمس أجزاء ومجموعة كبيرة من القصص عن أفريقيا حيث نشأت، وشكّلت مراقبتها طوال حياتها للتمييز العنصري والقهر السياسي الاجتماعي الأفكار التي تختار التعبير عنها في أعمالها.  (اقرأ/ي أيضاً: "لا ينتصف الطريق".. مجموعة شعرية جديدة لياسر خنجر).

يأتي عنوان الكتاب لسلسلة من خمس محاضرات ألقتها دوريس ليسنج برعاية هيئة الإذاعة الكندية 1985، وتُبين ليسنج أن المقالات الخمس تدور حول تساؤلها: إلى أي مدى وبأي تواتر يهيمن علينا ماضينا الهمجي، كأفراد وجماعات؟ عندما ينظرون إلينا من المستقبل، أية صورة سيرسمونها لنا؟ ففي غمرة الظروف  الاجتماعية يكون من المتعذر بشكل كبير أن نفصل أنفسنا عن العصر الذي نعيش فيه لنتأمله رغم أننا الآن نعرف عن أنفسنا أكثر مما عرفه الناس فيما مضى، ولكن قدرا ضئيا من هذه المعرفة يوضع موضع التنفيذ.

وترى ليسنج أن الكُتاب بحكم طبيعتهم يسهل عليهم بلوغ التجرد من العواطف الاجتماعية فهم يستقرأون طوال الوقت يصبحون انتقاديين لما يستقرؤنه ويراقبونه. ومثال على ذلك كل المخطوطات التي ينتجها كتاب الخيال العلمي من أجل أشكال مستقبلية محتملة  وانتقادات للمجتمعات القائمة مثل "يوتوبيا" توماس مور، "مدينة الشمس" توماسو كامبانيلا، "أخبار من اللا مكان" ويليام موريس.

سيكولوجية الجموع

في مقال "أنتم ملعونون ونحن ناجون" تتحدث ليسنج عن سيكولوجية الجموع في أوقات الأزمات والحركات الجماهيرية الكبرى التي يسودها يقينات عاطفية معينة لا تعارض ولا تناقش. في أوقات كالإضرابات والحروب الأهلية والنزاعات المسلحة، تقع مآس من كل لون حتى إن لم تكن لعلة سوى أن أولئك الذين يستمتعون بأعمال الإجرام العنيف في كل مجتمع يظهرون على السطح، يبدوا وكأن المنخرطين في ذلك فقدوا صوابهم إذ صاروا جزءا من جنون جماعي جسيم.  (اقرأ/ي أيضاً: "تاريخ العيون المطفأة".. رواية جديدة للسوري نبيل سليمان).

تقول ليسنج: لمدة ألفي عام كانت أوروبا رهن حاكم مستبد الكنيسة المسيحية التي لم تسمح بنسق آخر من التفكير، وبررت القتل والإبادة والاضطهاد والحرق والتعذيب باسم الرب، يجب استحضار هذا التاريخ بغية التعرف على تلك الأنماط من الاستبداد والطغيان التي لا تزال موجودة فينا، إن ميراث بنية الفكر المسيحي فينا هو ما ينبغي علينا دراسته. وترى ليسنج أن ثمة قبضة لشيء ما قوي جدا وبدائي للغاية نقع في قبضته مهما حاولنا التملص منه، فأنماط الماضي هي الحاكمة والمستحكمة فينا، وهو مالم يُعالج إلى الآن. 

غسيل الدماغ

تتحدث ليسنج عن عمليات غسيل الدماغ التي تمارس في كل مجتمع بآليات وطرق مختلفة، وهو ما يمكن ملاحظته في تلك الأوهام الكبرى المريحة والأوهام الجزئية التي يلجأ إليها كل مجتمع للحفاظ على ثقته في ذاته. 

توضح ليسنج: "لغسيل الدماغ ثلاث ركائز أو عمليات رئيسة أولها التوتر الذي يعقبه الاسترخاء وتستخدم عند استجواب المسجونين حين يتناوب المحقق معهم باستخدام الشدة واللين, ثانيها هو التكرار بقول الشيء عينه مرارا وتكرارا. الثالث هو استخدام الشعارات باختزال أفكار مركبة إلى مجموعة بسيطة من الكلمات. وهذه العمليات تتبعها الحكومات والجيوش والأحزاب السياسية والجماعات الدينية والأديان طوال الوقت". 

وتستطرد: للأسف تسير التكنولوجيا الجديدة المرعبة يدا في يد مع المعلومات النفسية الجديدة. التكنولوجيا تعرضنا لدرجة من القسوة الوحشية من كل نوع حتى نفقد إحساسنا وحساسيتنا على نحو عرضي لم يكن في الحسيان، لقد أصبحنا بلداء، فقدنا حساسيتنا، إن مشاهدتنا ليلة بعد ليلة ويوما بعد يوم وعاما بعد عام للأهوال الجارية في أنحاء العالم أفقدتنا حساسيتنا تماما مثل أولئك الجنود الذين حولوا عمدا إلى قساة وحشيين.  (اقرأ/ي أيضاً: "مطر سيطرق باب نومي".. مجموعة جديدة للشاعر السوري حمزة رستناوي).

عقل الجماعة 

تتعرض ليسنج في مقالها "عقل الجماعة" لتلك الأفكار والتوجهات الجماعية التي نقع في قبضتها وتلك الضغوطات الخارجية التي تُجبر الأفراد على الانخراط في التصورات الجماعية وتحذر من الحيد عنها، فرغم أن الجنس البشري يمتلك كما كبيرًا من المعلومات عن نفسه لا سبيل لإنكاره، فإننا لا نستخدمه لتحسين حياتنا. 

تقول ليسنج: يمكننا مراقية كيف تنطلق فكرة أو رأي أو حتى عبارة وتتكرر في مائة تحليل أدبي ومقال نقدي وحوارات ثم تتلاشى. في خلال ذلك، يكون كل من أقدم على تكرار هذا الرأي أو تلك العبارة ضحية شعور قسري لأن يكون مثل الجميع.  لوحظ أن نسبة 10% من السكان هم من يمكن أن يطلق عليهم قادة بالفطرة، يتبعون قراراتهم واختياراتهم. تأتي جميع الضغوطات الخارجية تقريبا من حيث معتقدات الجماعة، واحتياجات الجماعة، والاحتياجات الوطنية، وحب الوطن، ومتطلبات الولاءات المحلية، لكن هناك أيضا ضغوطا أكثر تسللا وأكثر خطورة هي الآتية من الداخل التي تحثك على اتباع النمط السائد وهي الأصعب في الملاحظة والسيطرة.

التغيير الاجتماعي 

ترى ليسنج أن إحدى طرق النظر إلى القرنين ونصف القرن الماضيين هو أنها كانت معامل للتغيير الاجتماعي، ولكن لكي نتعلم منها نحتاج إلى مسافة معينة، وهذا الابتعاد هو تحديدا ما يجعل من الممكن حدوث خطوة إلى الأمام في الوعي الاجتماعي. فالمرء لا يتعلم شيئًا عن أي شيء عندما يكون في حالة اضطراب غاضب أو حماس متحيز.

وتضيف: الأدب والتاريخ، هذان الفرعان العظيمان من المعرفة الإنسانية، يسجلان السلوك الإنساني والفكر الإنساني ومنهما يمكن أن يتعلم المرء كيف يكون مواطنا وإنسانا. كيف ننظر إلى أنفسنا ومجمتعنا بطريقة هادئة ومتشككة. حينما أنظر إلى الوراء أرى الأثر العظيم الذي يمكن أن يحدثه الفرد، حتى الشخص غير المعروف الذي يحيا حياة بسيطة هادئة. الأفراد هم من يغيرون المجتمعات ويولدون الأفكار، هم من يقاومون تيارات الآراء ويغيرونها، ويصدق هذا على المجتمعات المنفتحة مثلما يصدق على تلك القمعية.