المزيد  
وثيقة تثبت إطلاق النظام السوري سراح آلاف الإسلاميين (نص وصورة الوثيقة)
الصور الأولى لانفجار الباب.. مقتل وإصابة العشرات
عضو باللجنة الدستورية لـ "أنا برس": أداء النظام يُنذر بـ "المزيد من الدماء"
رسالة خيبت آمال السوريين في تركيا
استطلاع يكشف عن نتائج "صادمة" حول التدخلين الأميركي والتركي في سوريا
هادي البحرة لـ "أنا برس": الجولة الأولى كانت مرضية نسبياً وخطوة بالاتجاه الصحيح
محصول الزيتون في إدلب.. بين حكومة الأسد جواً والإنقاذ براً
خطوة عسكرية روسية جديدة شمال سوريا

تسول الأطفال في سوريا.. طفولة ضائعة (فيديو)

 
   
15:33

http://anapress.net/a/247543333288116
مشاركة


تسول الأطفال في سوريا.. طفولة ضائعة (فيديو)
من فيلم أيادي ناعمة- أنا برس

حجم الخط:

لم يعد التسوّل في سوريا أمراً خارجاً عن المألوف بعد ثماني سنوات من الحرب.. أصبح المشهد عادياً، إذ تجد من يطلب منك المساعدة، من كلِّ الأجناس والأعمار.. وربما ما يجمع هؤلاء، هو كونهم الفئة الأقل كفاءة، في ظل انعدام فرص العمل، وحرمانهم من أرزاقهم بسبب الحرب.

امتهن آلاف الأطفال السوريين الصغار مهنة التسول؛ لإعالة عائلاتهم التي فقدت معيلها وسلمت زمام أمورها لمعيلها الجديد غير الراشد الذي لم يتجاوز الـ 15 عاماً، فباع المناديل الورقية ومياه الشرب، متحملا برد الشتاء وحرارة الصيف وفظاظة الناس بحثاً عن بضع ليرات يعيل بها عائلته، متحملا كل مشاكل التسول، متناسياً مقعد الدراسة.

وطبقاً لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) خلال تقرير لها مطلع العام 2018، فإن "5.3 ملايين طفل سوري بحاجة إلى المساعدة العاجلة، كما أن 3.7 مليون طفل لا يعرفون في سورية سوى الحرب".. هذه الأرقام الكبيرة ولدت مشكلات كثيرة للأطفال، على رأسها الحرمان من التعليم، حيث تقول (يونيسف): "إن 2.7 مليون طفل سوري لم يلتحقوا بالتعليم داخل سورية وخارجها"، وقد أنتج ذلك انتشار ظاهرة عمالة الأطفال وأطفال الشوارع، وتجنيد الأطفال، وتزويج القاصرات.

خلال الأعوام الماضية، ازدادت نسبة أطفال الشوارع بشكل ملحوظ في الشمال السوري
 

خلال الأعوام الماضية، ازدادت نسبة أطفال الشوارع بشكل ملحوظ في الشمال السوري، بسبب حركة النزوح الكبيرة التي شهدتها عدة مناطق سورية نحو محافظة إدلب وريف حلب الشمالي..

دخل إلى الشمال السوري ومحافظة إدلب بشكل خاص منذ العام 2011 أكثر من مليوني نازح ضمن حوالي ستة ملايين وستمائة ألف نازح داخلي في عموم سوريا وفقا لتقارير الأمم المتحدة فروا من مدنهم بسبب القصف والمعارك تاركين خلفهم ارزاقهم وممتلكاتهم وبعضهم فقدوا أكثر من ذلك..  فآلاف الأسر هنا فقدت معيلها وهو ما تقول منظمات إنسانية إنه الدافع الأبرز وراء ازدياد ظاهرة التسول

ووفقا للمرصد السوري لحقوق الإنسان، هناك 400 ألف طفل في إدلب وحدها في سن الدارسة، لكن ثلثهم -وفقا للمرصد- لا يتلقون أي تعليم، بل وجدوا أنفسهم إما مرغمين على التسول أو العمل المبكر.

وفي مايو/ آيار 2018 عنونت منظمة "أنقذوا الأطفال" تقريرها بـ "أنقدوا أطفال سوريا" وقالت إن سوريا ضمن لائحة البلدان الأشد خطورة على الاطفال فأربعة من خمسة أطفال في سوريا يعانون من الفقر.. كما قالت المنظمة إن أطفالا كثر في سوريا سيكبرون ليصبحوا جيلا يعاني من صدمات نفسية وعصبية بسبب ما يمرون به من معاناة دفعت كثيرين منهم وفقا للمنظمة لمحاولة الانتحار.

طفولة ضائعة

يخرج حمزة في الصباح الباكر من مخيم الطينية بريف إدلب لجمع مفرغات النايلون (البلاستيك) والتي يبيعها بثمن زهيد جداً، ليعيل أهله وأخوته، متناسياً مقاعد الدراسة لعدم مقدرة أهله من سد احتياجاته المدرسية.

يقول حمزة (صاحب الـ 11 عاماً) إن عمله متعب كثيراً؛ لأنه يقوم بجمع (النايلون) تحت الشمس المحرقة وفي أيام الشتاء القارصة، مشيراً إلى أن والده مريض ولا يستطيع العمل. وأضاف أن المبلغ الذي يحصل عليه من عمله لا يتجاوز الـ 75 ليرة سورية أي ما يعادل ربع دولار.

وعن أحلامه التي يحلم بها، يقول حمزة إنه يحلم بأن يكون معلماً ليساعد إخوته الصغار في التعلم. وأضاف لـ "أن برس"، إنه يتمنى الذهاب إلى المدرسة ويتابع دراسته، وأن يكون لديهم بيت غير البيت الذي يقطنون فيه والذي تنعدم فيه المقومات الحياتية والخدمية.

كما التقينا غروب، ذات التسع سنوات، والتي تعي جيداً أن على عاتقها مسؤولية مساعدة والدتها وشقيقتها بعد اختفاء والدها واضطرارهم للفرار من قريتهم بريف حماة بسبب القصف، إلى مخيم القلعة بريف إدلب، ورغم ذلك مازالت احلام الالتحاق بالمدرسة كباقي اقرانها تراودها بقوة وتدفعها للبكاء يوميا.

وتقول غروب إنها لا تعتمد على التسول وحسب بل على ما تجمعه مما تجده في طريقها أيضاً، من علب بلاستيكية أو قوارير مصنوعة من الألمنيوم أو حتى بقايا الأطعمة.

وداخل مدينة إدلب التقينا آية، ذات الـ 12 ربيعاً؛  فهي تسعى جاهدة للحصول على بعض المال الذي لا يتجاوز 1500 ليرة سورية، أي ما يعادل 3 دولارات لتعود بها لعائلتها. وتقول إنها من بلدة سرمين بريف إدلب، وهي بالصف الرابع، وتقوم بالتسول بعد انصرافها من المدرسة، وأحيانا تلجأ لبيع البسكويت لتعيل إخوتها؛ لأن والديها ماتوا.

https://youtu.be/Jm35PeAWPBA

محمد وشقيقه ملاذ اللذان اعتزلا التسول وبدأ معاً ببيع الدخان والمناديل، يستيقظان مبكراً،  ثم يغادران للعمل.  لا يظهرانتأثراً كبيراً وهما يغادران منزلهما حين يران أقرانهما يتجهون للمدرسة.. لكنهما يعلمان جيداً أن مستقبلا يسرق منهما.

يقول محمد (ابن الـ 15 عاماً)، وهو من بلدة "الأورم الكبرى" بريف حلب: نحن 12 أخاً، وأنا أبيع الدخان (السجائر) لكي أعيل عائلتي.. كل ما أتمناه هو أن يقف قصف الطيران.. وأن نعود لمنازلنا. وعن حلمه قال محمد: أحلم أن أدرس، وأصبح طبيباً.

بينما يقول ملاذ، شقيق محمد، صاحب الـ 11 عاماً:  حرمت من مقاعد الدراسة لكي أساعد أبي في تأمين الحاجيات الأساسية لعائلتنا.. فأنا أبيع مع أخي محمد (الدخان والقداحات) من الصباح حتى غروب الشمس. وأحلم باليوم الذي أرجع فيه لمقاعد الدراسة.

تجربة خاصة

في مدينة مارع بريف حلب الشمالي تجربة مختلفة مع المتسولين، هنا استطاع المجلس المحلي للمدينة المكون من وجهائها الحد من تلك الظاهرة بشكل لافت. توجهنا للقاء السيد عمر كوربلان نائب رئيس المجلس وشرح لنا عن هذه التجربة.

قال السيد عمر: رصدنا عدة حالات للتسول في مدينة مارع.. وللوقوف على أسباب انتشار هذه الحالات ولدراسة الحالات فيما إذا كانت ظاهرة أم مهنة، فقمنا برصد الحالات، وبمساعدة مكتب الشؤون الاجتماعية للعمل، ومجلس الأعيان، وأيضا المجلس المحلي.. تم تأمين دعم مالي لبعض الحالات، والبعض الآخر تم تأمين مسكنا له، وبعض الحالات تم تأمين فرص عمل مناسبة لها،  مشيراً إلى أنه تم الحد نوعا ما من ظاهرة التسول المنتشرة في مدينة مارع.

 أرقام وإحصاءات للتسول في مناطق النظام

تنتشر ظاهرة التسول بكثافة في سوريا، إذ ارتفعت أعداد المتسولين إلى أكثر من 250 ألف متسول، وفق إحصائية نشرتها صحيفة تشرين الموالية للنظام السوري، معظمهم من الأطفال.. وأكّدت الصحيفة أنّ أغلب الأطفال المتسولين يتعاطون مادّة اللاصق (الشعلة) وسط أوضاع إنسانية صعبة.

وكان رأس النظام السوري بشار الأسد، قد أصدر في وقت سابق من هذا العام، "مرسوما" جديداً حول ظاهرة التسول في سوريا، في وقت انتشرت فيه مظاهر مرافقة للتسول أبرزها شم الأطفال لمادة الشعلة، ذات المركب الكيميائي.

ونص القرار الصادر، الذي حمل وصمة "مرسوم تشريعي" رقم 8 لعام 2019 على تعديل مواد من قانون العقوبات الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 148 تاريخ 22-6-1949 متعلقة بمعالجة ظاهرة التسول.

التسول في القانون السوري

عرف القانون السوري المتسول في مادته ٥٩٦ من قانون العقوبات السوري الصادر بالمرسوم التشريعي رقم ١٤٨ لعام ١٩٤٩ بأنه من كانت له موارد رزق أو كان يستطيع الحصول على موارد بالعمل واستجدى لمنفعته الخاصة الإحسان العام في أي مكان كان إما صراحة أو تحت ستار أعمال تجارية ويعاقب بالسجن مع التشغيل لمدة شهر على الأقل وستة أشهر على الأكثر ويمكن فضلاً عن ذلك أن يوضع في دار للتشغيل في حال تكرار فعل التسول.

يوضح المحامي محمد غياث لـ "أنا برس" أن جرم التسول يشكل جنحة بالنسبة لمرتكبيه من البالغين، فيما يكون بمثابة مخالفة بالنسبة للأطفال دون سن العشرة أعوام إذ يتم تسليمه إلى وليه وذلك بقرار من المحكمة، فقد نص قانون الأحداث الجانحين رقم ١٨ لعام ١٩٧٤في المادة الثانية المعدلة بالمرسوم التشريعي رقم ٥٢ لعام ٢٠٠٣ بأنه لا يلاحق جزائياً الحدث الذي لم يتم العاشرة من عمره حين ارتكاب الفعل فتكون العبرة هنا هي تاريخ ارتكاب الفعل وليس المثول أمام القضاء.

 بينما يودع من بلغ العاشرة من العمر ولم يتم الثامنة عشر في مراكز توقيف ومعاهد إصلاحية خاصة بهم لمدة لا تتعدى الشهر، مؤكداً على ضرورة فرزهم في أجنحة خاصة بجرم التسول وفصلهم عن الأرذال والمتهمين بالسرقة والنشل.

ثمة حالة تراخي وتسيب، أشار إليها المحامي غياث، فيما يتعلق بعقاب والد الطفل لإهمال رعاية طفله وإجباره على التسول وتسربه من المدرسة الأمر الذي يتعارض كلياً مع حقوق حماية الطفل الذي يكفل حقه بالتعليم والعيش الكريم والسلامة النفسية والبدنية، مشيراً إلى وجود حالات خارجة عن القانون كقيام بعض مشغلي شبكات التسول بدفع رشاوي لإخلاء سبيلهم دون الخوض بالمزيد من التفاصيل.

وفي حال لم يكن بين ذوي الحدث من هو أهل لتربيته أمكن وضعه لدى مؤسسة أو طرف صالح لتربية الحدث وعلى مراقب السلوك أن يراقب تربية الحدث وأن يقدم للقائمين على تربيته الإرشادات اللازمة، فيما يحكم بوضع الحدث في معهد إصلاح الأحداث لمدة لا تقل عن ستة أشهر إذا تبين للمحكمة إن حالة الحدث تستدعي ذلك.

ظواهر اجتماعية كثيرة تفاقمت خطورتها، بسبب الحرب التي يشنها النظام على السوريين، منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، والتي تسببت في تهجير الملايين ومقتل واعتقال مئات الآلاف، إضافة إلى أنها خلفت مشكلات اجتماعية تهدد مستقبل جيل سوري كامل، وهذا يتطلب من المنظمات الإنسانية والحقوقية الدولية ومؤسسات الأمم المتحدة العمل بجدية على تقديم المساعدة اللازمة، من أجل تقديم حلول ناجعة لإنهاء دوامة العنف.. وترميم جيل الطفولة السوري لإخراجه من مستنقع الحرب وآثارها الكارثية.