المزيد  
بضمانات روسية ..مؤتمر حوار وطني في مطار دمشق
إضراب "البطون الخاوية" مستمر في حمص
"إيران" في المخنق.. كيف يتأثر دورها في سوريا؟
تضارب حول زيارته للقامشلي.. معلومات قد لا تعرفها عن علي مملوك
مجزرة خان شيخون توقظ خلافات حادة بين واشنطن وموسكو
ميشيل كيلو لـ "أنا برس": مستقبل الرقة مرتبط بهذه العوامل
بعد التهديد والوعيد للاجئين.. مقتل العميد عصام زهر الدين في دير الزور
طهران على صفيح ساخن... المجتمع الإيراني على شفا انفجار اجتماعي هائل‎

بعد خروجه من المعتقل تفاجئ بزواج شقيقه من زوجته بعد خبر كاذب عن وفاته

 
   
13:00


بعد خروجه من المعتقل تفاجئ بزواج شقيقه من زوجته بعد خبر كاذب عن وفاته

آلاف المعتقلين لازالوا يقبعون في سجون نظام الأسد بعد ستة أعوام من اندلاع الأحداث في سوريا، جعلت كل واحد منهم قصة تختلف عن الآخر وتجعل منهم موسوعة قصصية ولكن بصورة درامية بحتة يندى لها جبين الإنسانية في زمن عجز العالم عن إيجاد حلّ يخفف من معناة هؤلاء، حتى بات طرح ملفهم في المحافل الدولية طيّ النسيان، لا يشعر بمعاناتهم إلا من جرّب ظلم الاعتقال وغطرسة النظام وجبروته ضد المعتقلين الذي أفرغ بهم غيظ أعوام مضت من ممارسات من عارضوه في عموم سوريا.

في كل مرة يتم تسليط الضوء على موضوع المعتقلين من خلال سرد قصة أحدهم بصورة تختلف عن قصة الآخر وتحمل في طياتها وجعاً أكبر وأعمق، لكن طرحها بات ضرورياً لعل سرد معاناتهم التي تعد الجزء اليسير من معاناة الآلاف سبباً في تحريك مشاعر من ادعى الانسانية ولا زال يعزف على أوتارها  لستِّ أعوام مضت، منهم من رفض الحديث والبوح بقصته مقتنعاً بأنها لن تغيير في الواقع شيئاً ومنهم من اندفع لسردها وإن كانت تحمل في طياتها شيئاً مراً مسّه بشكل مباشر، بهدف تحريك المشاعر والتحرك لإنقاذ من بقي منهم.

"ع س" الذي رفض الكشف عن اسمه الصريح كون قصته وتجربته مع الاعتقال تحمل طابعاً مختلفاً تمسّ خصوصياته وتختلف عن القصص السابقة ولكن قبل البوح بها لإطفاء ما أشعلته هذه التجربة في صدره من نيران لن تطفئها سنوات قادمة، فيقول: "أنا مواطن عادي من ريف ادلب الجنوبي كنت أقيم لفترة طويلة في دمشق وأعمل كموظف في شركة الحافظ للبرادات ولدي زوجة وثلاثة أطفال، مع اندلاع الثورة السلمية وتطور أحداثها حتى دخلت العسكرة، بدأت مع مجموعة من الأصدقاء بالانخراط بها بشكل مباشر من خلال تزويد الثوار في ريف دمشق بالأسلحة التي أوكلت إلينا مهمة إيصالها لهم ليلاً وبشكل سري جداً، كنت ليلاً أقوم بتوصيلها ونهاراً أذهب إلى عملي وكأن شيئاً لم يكن، واستمريت على هذا الحال لعام كامل".

"ولكن العيون والمفسدين كانت تتربص بي دون أن أعلم حتى داهمتني دورية تابعة للمخابرات الجوية في الثالث عشر من حزيران من العام 2012 وقامت باعتقالي، وتم اقتيادي إلى عدد من الأمكنة والأقبية والزنازين التي تم فيها ممارسة أساليب فظيعة بكل معنى الكلمة بالتحقيق معي، لن أستطرد في الحديث عنها لأنها باتت واضحة للجميع من خلال آلاف القصص التي سردت سابقاً، والتي تم خلالها استخدام أساليب في التعذيب ما كنت لأتخيلها مجرد تخيل من قبل".

أمضيت في السجن مدة أربعة أعوام وثلاثة أشهر ونصف، تنقلت خلالها بين عدد من الأفرع الأمنية حتى انتهى بي الأمر في سجن صيدنايا الذي كانت لي الحصة الأكبر فيه من المدة التي قضيتها في المعتقل

يضيف بعد أن صمت قليلاً وكان متردداً في إكمال قصته ولكن بإلحاح طويل تابع قائلاً: "أمضيت في السجن مدة أربعة أعوام وثلاثة أشهر ونصف، تنقلت خلالها بين عدد من الأفرع الأمنية حتى انتهى بي الأمر في سجن صيدنايا الذي كانت لي الحصة الأكبر فيه من المدة التي قضيتها في المعتقل، ومعروف عن هذا السجن أنه للسجناء السياسيين الذين لهم علاقة مباشرة بالحراك المسلح أو الانشقاقات أو ما شابه، بفظاعة الأساليب الممارسة فيه، كل تلك الفترة وأنا لا أعلم أي شيء عما يجري في الخارج "زوجتي أطفالي الثلاثة أهلي" هل علموا بمكاني هل يسعون لإخراجي كلها أسئلة كانت على الدوام تعصف بذاكرتي ولكن لا جواب لدي في ذلك المكان العفن الذي تمنيت فيه الموت دون أن أحظى بإدراكه حتى، أما الشيء المر الذي لم أكن أعلمه بأن أقربائي تواصلوا وبحثوا عني وكعادة النظام الدنيء، زودهم بمعلومة اعتمدها بشكل كبير في حال أراد التخلص من سؤال ذوي المعتقلين وهي " ولدكم توفي في السجن وهذه بطاقته الشخصية وأشياؤه"، وهنا بدأت القصة التي كنت مغيّب عنها".

يتابع: بعد خروجي من المعتقل بعفو أصدره النظام، توجهت إلى قريتي وأنا فرح وأعدّ الساعات والدقائق التي ألقى بها زوجتي وأطفالي وأهلي وأتخيّل الموقف واللقاء كيف سيكون، وأنا ضمنياً متخوف من شيء حصل في غيابي لكني كنت أواسي نفسي ولا أتخيّل إلا الشيء الإيجابي، ولدى وصولي كانت المفاجأة الكبيرة، أخي الأصغر تزوج زوجتي بعد عام من خبر وفاتي كي يحافظ على أطفالي من التشرد ويقوم على رعايتهم بصفة رسمية، وهو لا يعلم أن زوجته الجديدة لازالت زوجة أخيه الذي على قيد الحياة وأوقعهم النظام في فخّه الدنيء الذي دمّر حياة عائلة كاملة وزرع الفرقة بينهم عن غير قصد ورغبة منهم.

 "كانت صاعقة بالنسبة لي تمنيت فعلاً أن أكون مت أو ماتت زوجتي أو حتى أخي ولم تصل الأمور إلى ما وصلت إليه

"كانت صاعقة بالنسبة لي تمنيت فعلاً أن أكون مت أو ماتت زوجتي أو حتى أخي ولم تصل الأمور إلى ما وصلت إليه، ولكن الندم لم ينفع وتغيير الواقع ليس بالسهل، أمضيت في القرية بعد خروجي من السجن ثلاثة أيام اجتمع معي خلالها الأهل والأقرباء والأصدقاء واقترحوا عليّ عدة اقتراحات كأن يطلق أخي المرأة وتعود لعصمتي أو أن أترك الحال على ما هو عليه وأتزوج بأخرى، لكنها كلها كانت خيارات أصعب من الجمر على الفؤاد".

يستطرد: "فكيف لي أن أقبل بعد اليوم بامرأة أمضت مع أخي الفترة ذاتها التي أمضتها معي تقريباً دون ذنب أو سوء نيّة منها، أو ما ذنب أخي الذي أراد فعل الخير وانقلب ضدّه ولم يقصّر طيلة فترة اعتقالي مع أبنائي بل أصبح لهم أخوة منه، كلّ تلك الحلول كانت مستحيلة القبول، فقررت أن أهجر القرية وأترك الجميع على ما اعتادوا عليه ولو أستطيع أن أعود لأقنعهم بفكرة وفاتي لما توانيت، فقمت بالتوجه إلى تركيا وأنا حالياً أعمل على الابتعاد أكثر إن تمكنت الوصول إلى أوربا، وأبدأ حياة جديدة وأرمي بكل شيء وراء ظهري بعد أن تدمّرت حياتي بالكامل ولم يعد هناك سبيل لترميمها بعد الذي جرى، ربما لن أنجح في النسيان ولا حتى أهلي سينسون الأمر لكن في البعد أرى الحلّ الأفضل".

دناءة النظام واستخفافه بحياة ومصير الملايين ممن يقوم بارتكاب المجازر بحقهم وقتلهم بدم بارد باستمرار، لن تمنعه من تدمير حياة الآلاف بهذه الطريقة التي يعلم عواقبها ولكنه يظن أنها انتقام منهم، قصص كثيرة بعضها قبل أصحابها البوح بها بينما رفض البعض الآخر وتركوها تحرق قلوبهم، فيما لازالت آلاف القصص التي ستكشفها الأيام بعد خروج أصحابها من تلك المعتقلات ولازالوا هم ذاتهم لا يعلمون ما حلّ بذويهم وكيف سيكون لون التراجيديا التي ستستقبلهم إذا ما خرجوا.