المزيد  
"مهرجان ليالي قلعة دمشق" يثير الجدل على مواقع التواصل
"مطر سيطرق باب نومي".. مجموعة جديدة للشاعر السوري حمزة رستناوي
المعارضة التركية تطالب بإعادة العلاقات مع نظام الأسد
النظام وحليفه الروسي يستهدف عشرات المدارس منذ شباط الماضي
"مسد" يوضح موقفه من بيع نفط سوريا لإسرائيل
"قسد" تعزز قواتها على الحدود السورية التركية.. وأردوغان يتوعد
حقيقة سحب "حزب الله" قواته من سوريا باتجاه الحدود اللبنانية
تعرفوا إلى أبرز القرارات التركية بحق اللاجئين السوريين في اسطنبول

زياد حمامي: أكتب الرواية من تحت أنفاس الخراب والاغتراب

 
   
11:55

http://anapress.net/a/293891061665497
مشاركة


زياد حمامي:  أكتب الرواية من تحت أنفاس الخراب والاغتراب
من أعمال حمامي- أرشيفية

حجم الخط:

دمغت المأساة السورية الأعمال الأدبية بطابعها الخاص طيلة السنوات الثماني الماضية، وبات كل عمل روائي يخطّه سوريّ قد تفاعل مع هذه الحرب بشكل مباشر أو غير مباشر، فانخرطت بعض الأقلام للكتابة عن الحدث فيما اهتم آخرون بالنبش فيما وراء الخراب والمعاناة. "العرب" كان لها حوار مع الروائي السوري زياد حمامي حول أعماله الروائية وتأثير الحرب عليها.

"قيامة البتول الأخيرة ـ الأناشيد السرية" عنوان الرواية الصادرة حديثًا للروائي السوري زياد حمامي، والتي يقول عنها: "قدمت الرواية موضوعات جديدة، جريئة، كاشفة للمخبوء، وما أكثرها، تلك التي لم تكشفها الرواية العربية سابقاً. في رسم وتقديم بعض الشخصيات الجديدة،  نجد مثلًا في الرواية شخصية مغتصب النساء الموتى من تأثير الحرب القذرة، والخراب، وكذلك شخصية"أم القطط"، المستبدة، وشقيقتها "الثريا"، العمياء التي تستطيع أن ترى من خلال حاسة شمِّ الروائح، وتميز رائحة الغدر والجريمة، الحب والخيانة، وترى المستقبل، وهذه شخصيات جديدة في الأدب الروائي العربي، ناهيك عن تقديم الطقوس المريبة لعوالم "الماسونية"، و"عبدة الشيطان"، و"أخوة الحليب"، الذين يسيطرون على  لعبة الكراسي الخفية لمداميك حياتنا العربية، وتجنيدهم للنخبة المثقفة المحبطة من أبناء جلدتنا. 

 

الكاتب السوري يكشف في روايته الأخيرة طقوس عوالم الماسونية وعبدة الشيطان

 

أما عن متن الرواية الأسلوبي، فيوضح حمامي أنه سعى في الرواية إلى تفكيك المألوف في حياة الشخصيات، وكذلك غير المألوف أيضاً، من زاوية تتكىء على المغامرة والتغريب والتجديد، والجرأة في معالجة التقنية الفنية التي تعتمد على فن السيناريو الدرامي، من خلال المشاهد المتقطِّعة المشوقة، تلك التي لها صلة بالواقع، ولكنها ليست كلها واقعية، فالدراما تُظهر أزمة القيم والمعايير لشخصية أو فعل أو ردة فعل لعنصر معين، وتُظهر فضائح الخلاف، والصراع، وصولاً إلى النهايات غير المتوقعة، وهذا ما أعتمد عليه النصّ، أما اللغة فهي وسيط، والشخصيات لا تمثل نفسها، بقدر ما تمثل المجتمع، وهذا المجتمع ليس إلا ذرة من الكون، وهكذا نجد أن الإبداع يعكس لنا صور الكون كله، الظاهر والخفي، ناهيك عن تصوير المواضيع ـ المسكوت عنها ـ وتقديمها لغوياً، وتشكيلاً أسلوبياً، وصوراً درامية. 

لوحة فسيفساء

يوضح حمامي: تبرز صيغة حرب الكاتب مع شخوصه المتمردة، صراعه معها، وصراعها معه، ومع حروفه وجمله التصويرية، ففي البداية يعتبر العنوان: قيامة البتول الأخيرة ـ الأناشيد السرية، نصَّاّ موازياً، والمفتاح الأول من مفاتيح النصِّ، ثم تأتي المشاهد المتلاحقة في كل فصل من فصول الرواية، لتحيلك إلى المشاهد الأخرى حيث معاناة الشخصيات، وصراعاتها، تجاورها وتتابعها، لترسم لوحة فسيفساء متكاملة، عبر نصّ مفتوح وجامع لكل ذرة وحرف وصورة ولغز في هذه الرواية، ولعلها تتجاوز الأجناس الأدبية المختلفة، وتتداخل، وتمتزج، لتقدم لنا لوحة كاملة في المشهد الروائي العربي، 

يرى حمامي أن الكاتب المبدع هو الحلقة الأضعف إذا تكلم عن نصِّه، وهذا الأمر وجوباً من حق النقاد والقراء، فالقارىء الجاد المتمرس هو كاتب آخر للنص، بل هو مكتشف مالم يره غيره، والمبدع المميز هو الذي يدع القارىء أن يبدع أيضاً، كما أن الأديب إن لم يخترق دائماً عوالم جديدة في تجربته الأدبية، فهو ليس مبدعاً، وسيغرق في أتون التقليد والتكرار، وستلقى كتاباته في سلة الإهمال وعدم الاهتمام.  

الفاجعة السورية

وبسؤاله عمّا يُحرّضه على الكتابة، يقول حمامي:  الواقعُ العربي الذي عشناه، وما زلنا نحترق في أتونه، أقسى من الألم نفسه، وأشدَّ وطأة، إننا الأضاحي التي تقدم نفسها من أجل غدٍ أفضل لأجيالنا القادمة، وقد يكون اللامعقول في غرائبيّته هو الواقع نفسه، أو هو الحقيقة المخفيّة، وأعرفُ إذْ ذاك، إنما نخشى منه، لابد من الولوج فيه، والمغامرة من أجله، وهذا ما يحرضني على الكتابة، ولهذا، ففي روايتي: "الخاتم الأعظم"، حرضتني الفاجعة السورية، مزّقت روحي، شتّتني، وجعلتني تعويذة غريبة لهذه الحرب. (اقرأ/ي أيضاً: «الرواية السورية».. ثمانية أعوام من الاكتواء بنيران الحرب).

يستطرد:  إذا كانت هذه هي الحقيقة، المؤلمة، والصارخة، إلا أن خطواتي لم تتعثر في متاهات النزوح القسريّ والمأساة، ولم تستسلم روحي المتعَبة للصمت أو للذهول، وكانت تكافح الصدمات اليومية بالمزيد من الإبداع، وتناضل بالحروف من أجل مستقبل أفضل، ولهذا، كانت الولادة من تحت أنفاس الخراب والاغتراب، وكانت الكتابة بحبر الدم، وبدمع العاشق، وألم الفراق المرّ، وكان لا بدّ للكاتب، كما أرى، أن يكون صوت المقهورين في الأرض إبداعاً، وأن ينشر شهادته قبل الرحيل الأخير، إذ أن الكتابة ليست مادّة استهلاكية أو إعلانية أو شهوة جنسية عابرة، إنها الولادة الجديدة، وَمَنْ قال إنّ الكاتب يموت بعد نشر نصّه؟! إنني أرى في ذلك ولادته من خاصرة النص الإبداعي، وبعد الولادة الجديدة لا بدّ أن يأتي الموت الإبداعي أكثر من مرّة. فالكتابة ـ ها هنا ـ من دون إبداع مميّز رغوة عابرة، مجرّد تقليد أو سرقة أو شهوة ساذجة للشهرة، تودي بالنص إلى سلّة الإهمال والنسيان والموت، إذ لا شيء يدوم إلى الأبد غير الحبّ  والإبداع.

مشروع روائي

أما عن روايته "الخاتم الأعظــم" يقول:  كنتُ أبكي سوريانا حين أصوّر مشاهدها وتغيب عن عيوني الحروف، فأمسح خديّ وجفنيّ، وأضعُ رأسي فوق طاولتي للحظات تكاد تقتلني، بل إنها كانت تهزّني، تقتحّمني، تناديني أن أستمرّ في فعل الكتابة، وكانت تقول لي: إن دموع اليتامى والثكالى والعذارى والشهداء تناديك، وكنت أسمع أصواتهم، ومناجاتهم، وأحس بآلامهم وأحلامهم، ومن هنا، ربّما، كان التحريض في كتابة وإصدار الرواية التالية: "قيامة البتول الأخيرة ـ الأناشيد السرية"،  إذ كان لا بد أن يكتمل المشروع الروائي الذي أحلم بتقديمه للأجيال القادمة، ومن هنا أقول، إن كل رواياتي وقصصي القصيرة مجرد مشاهد متتالية، متقاربة ومتباعدة، جديدة وقديمة، تقذف حروفها في رحم لوحة فسيفساء متكاملة، وبرأيي، ما على المبدع إلاّ أن يدرك سر موهبته، وسمو رسالته، ومايخفى في نفسه، وفي محيطه.
ويتابع: أضافت روايتي الأخيرة: "قيامة البتول"، إلى رؤيتي الفكرية ما يُصاغ في الأقبية السرِّيّة، وفي الحارات، والأزقة الشرقية، ويحاكيه، أو يحاكمه، بلا توجّس أو خوف أو خجل، وهذا المرض الأدبي كنت أعاني منه في بداياتي الأولى، في الثمانينيات، وهو ظاهر في حياتنا العربية، ولكنّنا نخشاه، ونتستّر عليه، وقد تعوّدنا بحكم العادة، والأعراف، والتقاليد، ومن عدوى الخوف والظلم، ومن الاستبداد الرجيم، ألّا نكشف عوراتها الفاضحة، وألّا نخوض في أسراره، وهذا أحد أسباب تخلّفنا، واستعبادنا، وعندما يتأكّد المرء من ذلك، ويحاكم ذاته أولاً، سيعرف حتماً، كيف سيشيد حياة مستقلّة حرّة، ولن أراها، أعرف ذلك، ولكنّها ستكون حياة مختلفة، لمن عشها، ولمن تمتّع بها، ولمن تفيّأ في ظلالها الدافئة.

نزع الأقنعة

يستمد حمامي شخوص أعماله الروائية من الواقع، والواقع المتخيل أيضاً، ومن هنا يأتي التناسب في الخيال الأدبي، الممزوج مع الواقع، بل مع المنطق الخيالي للواقعية، ولهذا، ففي تجربته الأدبية مزيجاً من الخيال والواقعية، وهنا يُبيّن: لا شك أن الخيال وسيلة مؤثرة لمواجهة القضايا التي تعد مهمة في الواقع، والمبدع المميز هو الذي يستطيع استعادة صورة الواقع المسكوت عنه بعد نزع الأقنعة وتعرية الإسقاطات، وتصوير التفتت والتهرؤ الذي يصيب عالمه النصيّ، ويبرز الفن المضاد الذي يمثل رفضاً وخروجاً على الواقع، والإبداع في الحقيقة هو ثورة على الواقع، ومن هنا، كل النصوص لدي تتداخل فيها هذه الثنائيات من التخييل  والواقعي، وما فوق الواقعي أيضاً، إقناعاً وإمتاعاً،فالخيال الإبداعي يعمل على مستوى مزدوج، مستخدما توحد المجاز مع المعنى الحرفي، وذلك لكشف صراعات الإنسان في محيطه المتخيِّل، ويصوِّر المجازي والاستثنائي، ومن هنا، برأيي، يصبح الخيال واقعياً، حيث تتبللور الصورة الأدبية التي تعتمد على الحقيقة، تلك التي يقدمها الكاتب للعالم، لكي تبدو وكأنها الواقع نفسه.

الجوائز الأدبية

حصل حمامي على عدد  من الجوائز مثل الجائزة الأولى للرواية العربية، لدورتين متتاليتين في القاهرة عام 1993م، وفي الكويت عام 1994م، عن روايته "الظهور الأخير للجد العظيم"، ومن ثم فهو يرى  أن المشكلة ليست في الجوائز الأدبية، إنما هي في فعل ممارسة الكتابة الإبداعية والقراءة والنقد والقارئ الحكم، فالحكم الأول والأخير هو لجمهور القراء، وبذلك يتم استعادة الأدب العربي والأدباء والقراء قيمتهم التي يستحقونها، والمشكلة أيضًا في النقد الأدبي العربي المتخلف كثيرًا عن مسايرة ما يصدّره الأدب، وما أكثر أمراض النقد وفيروساته السامة التي تسيطر على ساحة النشر،  فالمشكلة هي في الوضع المزري لأدب بلا جمهور، بلا قراء، بلا تقاليد مجتمعية ممتعة للقراءة، بلا طقوس مفيدة للفكر. (اقرأ/ي أيضاً: هموم الواقع تُسيطر على القصة العربية).

ويوضح: ينعكس هذا الوضع الثقافي العربي وفي ظل غياب النقد الأدبي على المبدعين والقراء ودور النشر معًا، حتى لو حاول الأدباء ركوب موجات التسويق والدعاية والإعلان والهرولة نحو الجوائز الأدبية، ونحو أشباه النقاد مجبرين، وهذه المهمات ليست من واجباتهم أبدًا، مما يخلق فجوات سلبية لا نريد لها أن تستمر إلى ما لا نهاية، ولنأخذ مثلًا القيمة المادية لجائزة (جونكور)، التي تمنح في فرنسا منذ عام 1903، وهي أهم جائزة أدبية فرنسية، حيث أن قيمة هذه الجائزة العالمية النقدية لا تتجاوز مبلغ (عشرة يورو) فقط، لكن عدد النسخ التي تطبع من الرواية التي تنال الجائزة يمكن أن يصل إلى أكثر من نصف مليون نسخة، وبذلك يتم التفاعل الجمعي، والاستثمار المادي / المالي الأمثل والأرقى بين الكتّاب ودور النشر والقراء، ولهذا، فأنا كروائي، ورغم أنني فزت بعدد من الجوائز الأولى على مستوى الوطن العربي والمحلي السوري، إلا أنني مع تخفيض القيمة المادية للجوائز الأدبية  كما هي جائزة (جونكور)، والمهم برأيي، ورغم كل الشائبات والملابسات التي تتسم بها الجوائز الأدبية العربية والنقد العربي، وقد أكتويتُ بنارها أيضًا، أن يكون الكاتب ـــ موضوع  التكريم ـــ مبدعًا حقيقيًا، صادقًا في موضوعاته، جادًا وصاحب قضية، وقادرًا دائمًا على تطوير معارفه وأدواته، ويكون أكثر قربًا وإحساسًا من شخوصه الأدبية، ومن القراء المتلقين، وألا ينتظر الجوائز لأنها هي من ستسعى إليه ذات يوم، والهدف دائمًا هو أن يتم الارتقاء الجمعي المتكامل لمفهوم الأدب، مما يسهم في نهضة القراءة والانتشار عبر اللغة الأم، واللغات الأخرى المترجمة، وهذه برأيي هي: الجائزة الكبرى.

*بالتعاون مع صحيفة العرب اللندنية




معرض الصور