المزيد  
طريقك للوقاية من أنفلونزا الشتاء
بالأرقام.. صحيفة موالية تكشف عن عدد العائدين إلى سوريا
الجامعة العربية: عودة سوريا لن تتم إلا بحل مسألة ارتباطها بإيران
حقيقة إرسال 14 ألف جندي أمريكي للشرق الأوسط
قتلى وجرحى لقوات النظام بهجوم لـ "تحرير الشام" في محور "أم التينة" في ريف إدلب
تحذيرات روسية لـ "الأسد" لدفع العملية السياسية.. هل نفذ صبر روسيا على الأسد؟
مظاهرات في ريفي درعا ودمشق تطالب بإسقاط نظام الأسد وخروج الميليشيات الإيرانية
القمة الخليجية.. هل تمهد لموقف جديد من النظام السوري؟ (دبلوماسي يجيب)

"أنثى ضد الأنوثة".. قراءة جورج طرابيشي لأدب نوال السعداوي

 
   
11:21

http://anapress.net/a/26336521834599
مشاركة


"أنثى ضد الأنوثة".. قراءة جورج طرابيشي لأدب نوال السعداوي
جورج طرابيشي- أرشيفية

حجم الخط:

تُعد نظرية التحليل النفسي واحدة من النظريات الغربية التي انتقلت إلى العالم الغربي، بعدما اجتاحت جهود مؤسسها سيجموند فرويد العالم، وشغل مكانة بارزة بين المشتغلين بعلم النفس والطب النفسي. وقد كان الكشف الأكبر لفرويد الذي اعتبر سبقًا في المعرفة الإنسانية بشكل عام هو كشفه عن مكامن اللاشعور، والتأسيس لفكرة مفادها إن ثمة جوانب خفية في الإنسان لا يستطيع أن يتحكم فيها لأنها محكومة باللاوعي.

ويعد الناقد السوري جورج طرابيشي واحدًا من أبرز النقاد العرب الذين طبقوا منهج التحليل النفسي على الأعمال الأدبية، وتميزت مؤلفاته بالتركيز على المقاربة النفسية للنصوص السردية، في كتاب "أنثى ضد الأنوثة- دراسة في أدب نوال السعداوي على ضوء التحليل النفسي" ينطلق الناقد السوري جورج طرابيشي من خلال منهج التحليل النفسي لا سيّما الفرويدي لدراسة بعض الأعمال الأدبية للكاتبة والمفكرة المصرية نوال السعداوي، التي يعدّها الكاتب واحدة من أبرز الأقلام النسائية العربية، وأكثرهن تعبيرًا عن الأيدولوجيا النسوية الواعية، ومن ثم فإن الكاتب يُقر في مقدمة دراسته أن دراسته لأدب النوال السعداوي من منظور التحليل النفسي كان هو الأصعب مقارنة بأعماله الأخرى في التحليل النفسي التي بدأها بـ"عقدة أوديب في الرواية العربية، وتابعها في "الرجولة وأيدولوجيا الرجولة في الرواية العربية".

(نرشح لكم: "من النهضة إلى الردة".. تحليل جورج طرابيشي لأزمات الثقافة العربية)

 في حالة نوال السعداوي نجد أنفسنا أمام أيدولوجيا شعورية مناصرة للمرأة تتقاطع من أيدولوجيا لا شعورية معادية للمرأة
 

يقول طرابيشي: في حالة نوال السعداوي نجد أنفسنا أمام أيدولوجيا شعورية مناصرة للمرأة تتقاطع من أيدولوجيا لا شعورية معادية للمرأة، كما أنها تنتمي إلى الجنس المضطهَد، فكيف نستطيع أن نتخذ موقفًا نقديًا من رؤية بطلاتها للعالم بدون أن نفك تضامننا معهن من حيث انتماؤهن إلى الجنس المضطهّد، وبدون أن يغيب عنا أن المضطهَد حتى لو كان على خطأ هو أكثر أحقية من مضطهِده؟ فكيف ننقدها دون أن نلعب لعبة مستعمِرها؟ هناك سبيل واحد على ما نعتقد، هو أن نثبت أن ما ننتقده في رؤيتها للعالم ليس نتاج ذاتيتها الأصلية، ولا نتاج تمردها أو ثورتها على وضعها كمستعمرة بل هو على العكس نتاج تماهيها مع مستعمِرها واستبطانها لأيدولوجيته المعادية لها.

ونتيجة لذلك، يوظف طرابيشي منهج التحليل النفسي الفرويدي في محاولة لاستكناه لاشعور الكاتبة، ولا وعيها بالمقابلة مع أيدولوجيتها الواعية التي تحاول أن تمنطقها من خلال أعمالها الروائية ومسيرة بطلاتها، ومن ثم فإن تركيز الكاتب يتفرع في قسميّن: الأول هو استكناه البُعد اللاشعوري عبر توظيف نظريات فرويد في التحليل النفسي، والثاني هو البحث في منطقية الحجج الكامنة وراء الأيدولوجيا النقدية الواعية للكاتبة، ومنها فكرة العلاقة بين الرجل والمرأة التي تعزز في بعض أطروحات الكاتبة على أنها حرب ينبغي أن يخرج منها أحد الطرفين رابحًا، وهنا ينوه طرابيشي بأنه إن تكن للنساء من رسالة نوعية فهي أن يكسبن الحرب بإلغائها لا بخوضها وهن متسلحات بدورهن بالأشواك أو بالبنادق.

يُقدّم طرابيشي قراءته النقدية لعدد من الأعمال الروائية وهي: امرأة عند نقطة الصفر، مذكرات طبيبة، امرأتان في امرأة، الغائب، فضلًا عن قراءة مُقتضبة في عدد من القصص القصيرة، ولمحةٌ عن الكتابات النظرية للكاتبة.

امرأة عند نقطة الصفر

تناقش رواية "امرأة عند نقطة الصفر" أشكال قهر الرجل للمرأة جسدياً ونفسياً، وذلك من خلال شخصية محورية وهي فردوس، التي أمضت حياتها متخبطة بين شخصيات مشوّهة ومريضة ومزدوجة المعايير في كل ما يخص العلاقات الإنسانية على كل مستوياتها، لتكون فردوس في النهاية شخصية مريضة مثيرة للشفقة، في وحدتها وقهرها، آلامها وانفصال روحها عن جسدها، حيرتها وبحثها في العيون عن ضوء تتشبت به، وفي الظلام وخلف البوابات عن أمان افتقدته، كانت مقاومتها سلبية وثورتها اختلط بها الأبيض بالاسود، لتكون ثورتها على النظام الظالم والقهر الذي تعرضت له هي ثورة على كل ما يربط المرأة بالرجل.

(نرشح لكم: "هرطقات" جورج طرابيشي عن الديمقراطية والعلمانية في العالم العربي)

في معرض تحليله النفسيّ للرواية، يتحدث طرابيشي عن منطق الحرب الذي تعكسه السعداوي عبر قصة فردوس بطلة الرواية؛ فهي امرأة تتحدى القانون البيولوجي، فلم يخلق الناس ذكورا وإناثا ليتعارفوا ويتحابوا ولكن ليتصارعوا ويتحاربوا إلى الأبد، وهي تتحدى القانون الاجتماعي فليست العلاقة الأكثر طبيعية بين إنسان وإنسان هي العلاقة بين رجل وامرأة ولكنها العلاقة الأكثر عدائية وعدوانية. ومن ثم فمسيرة حياة فردوس التي تحلم الكاتبة بالتماهي معها هي سيرة صراع ضد الرجل.

يتجه طرابيشي لفحص منطق الكاتبة، فهي لا ترى أن فردوس تعاني من أي مرض، وتصر على نفي المرض عنها، بينما كان من الأحرى أن تُعبر عن أن فردوس حالة مرضية لمجتمع مريض أو لمجتمع يعاني من أمراض، وهو تعديل في زاوية الرؤية يبدو أكثر واقعية ومنطقية، ومن هنا ينطلق نحو بُعد نفسي آخر وهو إذا كان تعريف العصاب أنه افتقاد القدرة على التكيف مع الواقع إيجابا أو سلبًا، قبولأ أو رفضًا، تكريسًا أو تغييرًا، فالزهد العدمي في حالة فردوس وسيلة من وسائل رفض الواقع ولكنه ليس وسيلة لتغييره. ويتساءل طرابيشي: هل لنا أن نتصور حالة أكثر عصابية من حالة امرأة اختارت البغاء والقتل لتخوض حرب الجنسين ولتؤكد ذاتها وتفوز بالإمارة في مجتمع الرجال؟

مذكرات طبيبة

تختلف هذه الرواية عن الرواية السابقة كما يشير الكاتب؛ فهنا تتطابق البطلة والراوية، ويتوحد الخطاب، فالأحداث تروى بضمير المتكلم المباشرـ وبلا وساطة اسم. وفيها تظهر ذاتية الكاتبة بشكل كبير وواضح، وهي نقطة يتوقف عندها طرابيشي أكثر من مرة في تحليله للرواية.

ثمة ارتكازات نفسية يتكئ عليها طرابيشي في تحليله لهذه الرواية، فهو يرى أن الكاتبة رغم كل التعقيلات الإيدولوجية التي ستحاول أن تضع الصراع ضد الأنوثة على مستوى اجتماعي بحت، فإن هناك الكثير من المرتكزات في الرواية لا تدع مجالا للشك في أن ذلك الصراع يدور أولا على المستوى البيولوجي أو التشريحي، ورغم ما تحاول الكاتبة توضيحه من أن الفروق بين الجنسين تأخذ طابعًا اجتماعيًا سافرًا، فمجتمع العنصرية الذكرية يقيم علاقة مساواة بين الأنوثة والدونية، ولكن هذا الجانب الاجتماعي للظلم الجنسي ليس هو الجانب الذي يستأثر باهتمام بطلة روايتها مذكرات طبيبة، فهذه تعيش هذا الظلم، لا شعوريا على الأقل على أنه خصاء نرجسي، يستدل على ذلك بأن بطلة مذكرات طبيبة تتبنى بصرامة تبلغ حد العدوانية السادية تهمة الدونية التي تدمغ بها الأنوثة في المجتمع الأبوي.

امرأتان في امرأة

البطلة "بهية شاهين" في رواية "امرأتان في امرأة" تحمل جملة ملامح بطلة "مذكرات طبيبة، فهي طالبة سنة أولى مشرحة، وزواجها الأول كان فاشلًا وفشلت تجربتها مع أستاذ التشريح، وعندما ستحب سيكون رجل غير عادي قادر على انتشالها من "قبر الأيام العادية"، وبجانب الأحداث فالبنية النفسية متقاربة: تكن ازدراء لبنات جنسها، وترفض الانتماء إليهن.

يقارن طرابيشي بين آلية التعامل مع الرغبة لدى بطلة رواية "امرأتان في امرأة" وبطلة رواية "مذكرات طبيبة"، فالأخيرة كانت تقمع غريزتها أما بهية شاهين فهي لم تكن بلا أعضاء جنسية فحسب بل كذلك بلا رغبة جنسية، "لكنها لم تكن تخفيها بإرادتها، كانت تتقلص وحدها رغم أنفها، وتحس بها وهي تنسحب منها، كالروح تنسحب من الجسد، حين تكون معه تصبح إنسانا جديدا بغير غرائز وبغير تلك الشهوات المعروفة".

 ورغم كل النقد الذي وجهه طرابيشي للكاتبة وأيدولوجيتها الباطنية إلا أنه عاد في ختام الرواية ليؤكد على شاعرية بعض المقاطع ورهافة الفكرة؛ فكرة الفصام الذي تعكس من خلال بطلة الرواية وما يدل عليها من شجاعة واختلاف وصراحة واتساق مع مبادئ غائبة، بكل ما تمثله من صدق مع الذات في مواجهة الزيف المجتمعي.

الغائب

يُصدّر طرابيشي تحليله للرواية بجملة للامرتين: "يغيب عنك كائن بعينه، فيقفر الكون كله من حولك". في الرواية تبدو البطلة فؤادة سالم وكأنها تحيا وفق مبدأ المطاوعة. إن وجودا محكومًا بإيقاع المطاوعة لا الضدية، وبالتالي بإيقاع المشابهة لا المفارقة، هو بطبيعة الحال وجود كمي لا نوعي؛ وهذا التكميم الذي كانت تهرب منه بهية شاهين كما لو من طاعون، يبدو هو العلامة الفارقة لتلك القطرة في البحر. فالتفرد هو المحور الذي تدور من حوله حياة بطلة الغائب مثلما كان هو المحور الذي دار من حوله وجود بطلة امرأتان في امرأة، ولكن ما كان واقعًا بات أسطورة، وفؤادة تعيش لا زمن الوهم، بل زمن انقشاع الوهم. فبهية سالم أرادت واستطاعت أما فؤادة سالم فتريد ولا تستطيع.

(نرشح لكم: "سقوط العالم الإسلامي".. نظرة حامد عبدالصمد لمستقبل العالم العربي).

يبرر طرابيشي تعرضه للكتابات النظرية للسعداوي في كتاب نقدي لأعمالها الأدبية بجملة مبررات على رأسها نقدها النظري في كتاباتها للتحليل النفسي الفرويدي، وهو المنهج الذي يعتمد عليه الكاتب في نقده
 

الفارق الكبير بين بطلة الغائب وبطلة امرأتان في امرأة، وحتى بينها وبين بطلة مذكرات طبيبة، هو أن فؤادة لا تعيد توظيف الليبيدو المسحوب في ذاتها ولا تحب عالمها الأنوي بغيض الكينونة على حساب نقص كينونة العالم الغيري، بل على العكس من ذلك، فموت العالم يعكس لها كالمرآة موتها عن نفسها، والفراغ الذي في الخارج ينسخ طبق الأصل الفراغ الذي في الداخل. الفارق الكبير بين بطلة الغائب وبطلة امرأتان في امرأة، وحتى بينها وبين بطلة مذكرات طبيبة، هو أن فؤادة لا تعيد توظيف الليبيدو المسحوب في ذاتها ولا تحبو عالمها الأنوي بغيض الكينونة على حساب نقص كينونة العالم الغيري، بل على العكس من ذلك، فموت العالم يعكس لها كالمرآة موتها عن نفسها، والفراغ الذي في الخارج ينسخ طبق الأصل الفراغ الذي في الداخل.

المؤلفات النظرية

يبرر طرابيشي تعرضه للكتابات النظرية للسعداوي في كتاب نقدي لأعمالها الأدبية بجملة مبررات على رأسها نقدها النظري في كتاباتها للتحليل النفسي الفرويدي، وهو المنهج الذي يعتمد عليه الكاتب في نقده، يناقش طرابيشي بعض من الكتابات النظرية للكاتبة نوال السعداوي لاسيمّا تلك المناطق التي تعرّضت فيها إلى نقد التحليل النفسي الفرويدي، ففي كتاب "المرأة والصراع النفسي" تكرس الكاتبة جزءا من مؤلفاتها للحديث عن منهج فرويد، تتهم فرويد بأنه الوريث الشرعي لكهنة العصور الوسطى ومتحيز لعضو الذكر الجنسي، تنكر أسبقية كشفه عن اللاشعور وتعزوها لابن سينا.

وفي "الوجه العاري للمرأة العربية" تقول إن الفلسفة الإسلامية ممثلة بشخص أبي حامد الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين" اعترفت بإيجابية المرأة في الجنس، وهي بذلك تتفوق على النظريات البيولوجية والنفسية التي وصفت المرأة بالاستجابة السلبية، فرويد وتلاميذه. وفي "الأنثى هي الأصل" تكرر اتهامها لفرويد بأنه رجل متحيز بحكم نشأته اليهودية لجنس الذكور الأسمى، وبحكم انتمائه لطبقة العلماء والأطباء كان يأخذ بوجهة نظر أصحاب السلطة الحاكمة وينسى وجهة نظر المحكومين من العبيد والنساء.

يحاجج طرابيشي للرد على هذا بقوله إن فرويد وقف من الديانة اليهودية ومن الدين بصفة عامة موقفا إلحاديا، وأنه لم ينتم إلى "طبقة العلماء والأطباء" إلا بعد وفاته، وأن المؤلفة تحاول أن تجد سندا بيولوجيا لنفيها الاجتماعوي للقدر التشريحي، وهذا السند تجده في الازدواجية الجنسية. فالكائن البشري مزدوج الجنس بيولوجيا وفسيولوجيا. وهي تقول: "هذه الحقيقة البيولوجية هي التي تقف كالصخرة أمام أفكار فرويد، وهي التي تشل جميع أنشطته الذهنية، وتقضي بالتهافت على نظريته السيكولوجية في الإنسان".

ويرد طرابيشي على ذلك يقوله إن فرويد هو الذي أدخل مفهوم الازدواجية الجنسية على التحليل النفسي وجعله ركنا أساسيا من أركانه، ويختم طرابيشي مستشهدًا بفقرة  للمناضلة النسوية جوليت ميتشل: لقد كان فرويد ولا يزال هو العدو في نظر الغالبية العظمة من الحركة النسوية، وهناك اتفاق على القول بأن التحليل النفسي يبرر النظام القائم الأبوي والبرجوازي، ولكن رفض التحليل النفسي وأعمال فرويد رفض مشؤوم بالنسبة إلى الحركة النسوية. فالتحليل النفسي، بغض النظر عن الكيفية التي استخدم بها، لا يساند المجتمع الأبوي بل يحلله، وإذا كان هدفنا أن نفهم واقعة اضطهاد النساء وأن نناضل ضدها، فلسنا نستطيع أن نبيح لأنفسنا الاستغناء عن التحليل النفسي".

 وأخيرًا، يُمكن القول إنه رغم كل الثغرات التي قد تتأتى من الالتزام بالمنهج الفرويدي في تحليل الأعمال الأدبية، وما ينجم عن ذلك من استنطاق لأبعاد بيولوجية وتشريحية قد لا يكون لها الوجود الأكبر أو الرئيسي لدى شخوص العمل الروائيّ، فإن ما قدّمه جورج طرابيشي فيما يتعلق بالتحليل النفسي للأدب يُعد من أبرز الجهود النقدية وأكثرها جديّة وتأثيرًا.