المزيد  
معسكرات جديدة لتدريب الأطفال في تدمر.. وما علاقة إيران!
ممثل موالي للنظام يفضح طريقة تعامل مشافي النظام مع مرضى "كورونا"
تعزيزات عسكرية.. وتصعيد ينذر بمعركة شاملة في إدلب
إصابات عديدة بفيروس "كورونا" في حلب.. والمصابين لا يفضلون الذهاب للمشافي العامة
إيران تصدر"زواج المتعة" إلى سوريا.. وهدفها حلب ودير الزور - خاص أنا برس
مع الارتفاع المتزايد للإصابات بفيروس "كورونا".. مسؤول إيراني يقترح فرض حكم عسكري لمواجهته
أكثر من 90 قتيلا في انفجارات بيروت.. وأصابع الإتهام نحو حزب الله
أبرز أطباء القلب في سوريا.. يموت تحت التعذيب في سجون الأسد

مُحللة نفسانيّة تُعدّد الأقنعة التراجيدية وراء لقطات السيلفي السعيدة

 
   
11:35

http://anapress.net/a/120628662309599
463
مشاهدة


مُحللة نفسانيّة تُعدّد الأقنعة التراجيدية وراء لقطات السيلفي السعيدة

حجم الخط:

شُغٍلت الفلسفة قديمًا بسؤال الوجود، وتعددت الرؤى المُقدّمة لماهية الذات باختلاف وتعدد الأطر الفكرية، منحت جُل تلك الرؤى المعنى للحياة الإنسانية لتنطلق الذات نحو البحث عن كُنهها الأمثل من خلال عمل دؤوب ورحلة ثريّة. كان التقدّم التكنولوجي لحظة من تاريخ التطور، ظنّ الإنسان معها بقدرته اللامتناهية على التحكُم بالتقنية لتحقيق رغباته، لكنه انتهى إلى كينونة مُشوّشة جراء انغماسه في مُقتضيات ومُتطلِبات العصر الرقمي إلى أن بات مُستكرّهًا في علاقته الوثيقة مع التكنولوجيا، وترسا في آلتها الضخمة.

في الكتاب الصادر حديثًا عن المركز الثقافي للكتاب بعنوان "أنا أُوسِيلفي إذن أنا موجود.. تحولات الأنا في العصر الافتراضي" الذي ترجمه الأكاديمي المغربي سعيد بنكراد، تطرح المُحللة النفسانية الفرنسية إلزا غودار في ثمانية فصول عددًا من الأسئلة مثل: كيف يمكن لمظاهر بسيطة واعتيادية ومألوفة مثل صور السيلفي أن تكون دالة على تغيّرات في طبيعة المجتمعات وتحول في أسسها الإتيقية؟ وكيف تحوّلت الذات في ظل هيمنة العالم الافتراضي على مظاهر الحياة؟ وإلى أي مدى ألقت الطبيعة الاستهلاكية للمجتمعات المعاصرة بظلالها على نظرة الإنسان لكُنه وجوده؟

ثورة تكنولوجية

تغيّرت أنماط الحياة في ظل الثورة التكنولوجية والعصر الرقمي بشكل جذري، فقد انعدمت تقريبا الفواصل بين الافتراضي والواقعي وصار للافتراضي سلطة ويد عليا تعمل على تغيير ما هو واقعي بشكل واضح، تغيّرت أشكال التواصل الإنساني لتصير مُعتمِدة على الصورة الافتراضية، وتلاشت مساحات الخصوصية، تغير شكل الحياة القديم كذلك بكل ما شهده من أوجه إيجابية نجمت عن التريث في الفعل والقرار، فيما جاء الواقع الافتراضي ليُغيّر من نمط الحياة إلى ذلك السريع المعتمد على كل ما هو عابر وفوري وهش، أصبحت طريقة التواصل والعلاقات الإنسانية عاكسة لسلطة التكنولوجيا وهيمنتها، وبات الإنترنت ساحة واسعة تتجلى فيها الأوهام، يحظى كل فرد بعدد وافر من الأصدقاء لكنهم افتراضيون وربما مزيفون، ويجد ذاته أمام كم هائل ووافر من المعلومات لكنها غير مؤكدة.

كان لتلك الثورة الرقمية تأثير على علاقتنا بالزمان والفضاء التي باتت مُحدّدة في إطار العلاقة مع الشاشة، فيبدو أن الزمان والفضاء قد انكفئا أحدهما على الآخر وقذفا بنا داخل تصور للوجود يعني فقط بـ "الهنا والآن" ليتقلص حقل التجارب الذي يُشكِّل وجودنا، ليصير مُحددًا من قِبل السمارتفون والحاسوب، تراجعت أهمية التفكير والتأمل والتذكر، ليحل محلها مخططات تُحددها سلفًا شاشة صغيرة، قادت مثل تلك التغيرات المُلتصقة بالواقع إلى إخضاع الوعي لخلخلة بيّنة.

تستشهد الكاتبة بما قاله في وقت سابق الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار حول تأثير التقدم التكنولوجي على مناحي الحياة: "القدرة المعممة التي وفرتها الخبرات الثقافية الجديدة لا يمكن اعتبارها حقًا تقدما، فتسلل الآلة التكنولوجية العلمية إلى الحقل الثقافي لا يعني بأي حال أن المعرفة والحساسية والتسامح والحرية توسع مداهم في الأذهان، فبقدر ما نقوي من نفوذ الآلة لا نُحرر الذهن، بل نقوم بتجربة معاكسة، يتعلق الأمر بهمجية جديدة وأمية جديدة وتقليل من شأن اللغة، وكلها تشير إلى فقر جديد، بتوجيه قسري للرأي من طرف وسائل الإعلام، نحن أمام ذهن منذور للبؤس وروح بلا عمق".

تسويق الذات

أتاح العصر الرقمي بما شهده من انتشار وذيوع مواقع التواصل الاجتماعي وفرة في الاهتمام بالصور، ومن ثم برزت ظاهرة الصور السيلفي بشكل واضح، وهي ظاهرة تثير قضية الأنا حسبما توضح الكاتبة،  إذ جاءت الثورة الرقمية لتشوش على مضمون الأنا، فلم تعد العلاقة مع المكان والزمان تتيح استبطان الذات والغوص بداخلها بعيدًا عن التوجيه إلى الفعالية والإنتاجيةـ فصارت مرحلة الخارج هي المهيمنة وأصبحت الشاشة امتدادا للذات.

انطلاقًا من كون الشاشة صارت هي الامتداد الأساسي للذات، أضحت صور السيلفي وسيلة لتعظيم التقدير الذاتي للأنا وتسويق الذات وملء فراغ نرجسي، ومن هنا ترى الكاتبة أن الشخص الذي يلتقط الكثير من الصور السيلفي يفتقر إلى الثقة في النفس ويحاول طمأنة نفسه عبر الإحالة إلى نفسه بصور جميلة يستطيع أن يعود إليها دائما، وهو ما يسهم في خلق حالة احترام للذات. ومن هذا المنطلق، لم يعد الوعي بالذات ناجمًا عن الأفعال والأفكار والإدراك والمشاعر، ولم تعد الذات واعية بالطابع الإشكالي لوجودها لتدركه عبر التفكير والتساؤل والشك، حسب تصور الكوجيتو الديكارتي، وإنما أدت الثورة الرقمية إلى انقلابات وتغييرات في الوعي بالفضاء والزمن وتم التشويش على الكوجيتو الديكارتي، فلم يعد التفكير أولوية، وكبديل عن "أنا أفكر إذن أنا موجود" الذي يؤكد وجود الذات والوعي بها والاختيار الحر، يجيب عالمنا "أنا ألتقط صور سيلفي إذن أنا موجود".

من جهة أخرى، يحمل ذلك الوجود الهش المُكتسب من آلية التقاط الصور السيلفي إحالة إلى الصورة وليس إلى الأصل، فبقدر ما نقدم أنفسنا كصور نكون فقط ذاتًا لتمثلاتنا، وهو ما يحد من وجود الذات في الواقع، فضلًا عن أن الثقة بالذات لن يُقيض لها أن تتعمق جراء ذلك، فعدد اللايكات التي يُطمح بالحصول عليها لن يكون أبدا كافيا، ومن ثم بقدر ما هو مصدر طمأنة مُحتمل أو مُرتجي يكون مصدرًا للقلق كذلك.

ذات بديلة

تقارن المؤلفة وتناظر ما بين مرحلة المرآة عند جاك لاكان ومرآة الواقع الافتراضي التي تتجلى فيها الذوات الافتراضية عبر الصور السيلفي، فعند جاك لاكان، في المرحلة ما بين ستة وثمانية أشهر يبدأ الطفل في اكتشاف نفسه أمام المرآة ويتماهى مع انعكاسه، فيما تمثل ممارسة السيلفي طريقة لإعادة تعريف الذات، فالصورة هي التي تحدد كينونة الذات، ومن ثم تتولد ذاتية افتراضية غير قادرة على إثبات نفسها كما أنها في صراع مستمر مع ذات واقعية بديلة.

تتساءل الكاتبة ما هو نصيب الحقيقي في الأنا الافتراضية التي يتم تداولها عبر  الشبكات الاجتماعية؟ وفي هذا الصدد تُبيّن أن النزاهة ليست كامنة في عرض الذات ولكن في خلق تطابق معها، وهو أمر صعب لأن ما يشكل ذاتنا يصعب الامساك به، فالذات المعروضة في النت عبر السيلفي تتمتع بكل خصائص السيلفي المزيف، إنها تشير إلى تمثيل موجه لحماية النفس الحقيقية من خلال اقتراح صورة للذات تختصر في دور أو في تمثل، فالأنا الافتراضية تَمثُل أمامنا باعتبارها سيلفي مزيف، لأنها تشكل أنا اجتماعية للتمثلات، إنها تقوم على أنا مصطنعة هي ذاتها ليست تساؤلا "من أنا" بل تأكيد لها "أنا ما ترون".

الخطاب العاطفي

تزامن مع هيمنة العصر الرقمي تراجعًا في الخطاب العقلاني لصالح سيادة الخطاب الانفعالي والعاطفي، وتجسد ظاهرة السيلفي ذلك بوضوح، تقول الكاتبة: "إن سلطة الصورة، باعتبارها مستثيرا للانفعال أمر ليس جديدا. إن الجديد حقًا هو أننا اليوم عرضة لسيل من الصور، ومعناه أننا أصبحنا تحت سطوة انفعالات مختلفة ومتغيرة ومتقلبة. أصبحت أنانا وعاءً انفعاليا يتجاوزنا وسينتهي بإغراقنا وفق إيقاع الصور التي تتعاقب أمام أنظارنا. تعمق هذه الهشاشة من إحساسنا بالقلق الذي يميز مجتمعنا الفائق الحداثة. إنها تعطينا الانطباع بأننا لم نعد أسياد أنفسنا: نحن مضطرون للانتقال من الضحك إلى البكاء، ومن البكاء إلى الضحك، فأنانا تفلت منا باستمرار".

ولم يكن تأثير العصر الرقمي بمثاله المتجسد هنا في ظاهرة الصور السيلفي مؤثرًا على الذات في حدودها الخاصة وحسب، وإنما تعدى ذلك إلى أزمة في العلاقة مع الآخر والمجتمع ككل، إذ قذف ظهور السيلفي بالمجتمعات إلى ما يشبه أزمة مراهقة مجتمعية، وقاد إلى أزمة هوياتية متمثلة في التقاط صور يرغب الفرد من خلالها إلى التعرف إلى ذاته، يعي المجتمع عبر السيلفي التساؤل الهوياتي الخاص به وهو قلق خاص بوجوده، وفرط السعي لنيل الاعتراف بالذات الخاصة أدى بدوره إلى تصدع العلاقة مع الآخر، إذ منه ننال الاعتراف بالوجود الخاص، وبأهمية الذات، ووفق نظرته تتبلور الرؤية للذات، ومن ثم انحصر شرط الوجود في عدد اللايكات الممنوحة لنا من قبل الآخر. صرنا أكثر انغماسا في مجتمع الفرجة الذي تحدث عنه جي ديبور بقوله: "إنه بقدر ما يتأمل يكون عيشه أقل، وبقدر ما يقبل أن يتعرف على نفسه في صور الحاجة المهيمنة، بقدر ما لايفهم وجوده الخاص ورغباته الخاصة".

يمكن النظر في الإبدالات الجديدة التي فرضها العالم الافتراضي وعلاقتها بالجنس كذلك الذي بات هو الآخر أحد أوجه المشكلة، فبقدر ما ينشغل المستخدمون بنشر صورهم السيلفي والشعور برضا واستحسان للذات جراء الحصول على علامات الإعجاب بها من قبل الأصدقاء، تشهد الحياة الواقعية تراجعًا ويقل الشعور والاهتمام بها، فالسيلفي يقدم صورة مثالية معدلة ومعبرة عن عميق الإحساس بالعزلة والقلق ويتجسد ذلك في غياب الجنس أو قلة ممارسته ، فبقدر ما نقضي الوقت في الحلم بحياة مثالية فإننا لا نحياها بالفعل.

السيلفي المرضي

تنتقل الكاتبة للتحدث عن الاعتبارات الاخلاقية التي توارات وراء هوس التقاط السيلفي في كل مكان ووقت، ما أفرز وضعيات من الصور مع الموتى والمرضى تنشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فقد يسهم السيلفي في تغذية الدينامية المرضية الدافعة باتجاه الانتحار، إذ أصبح الإعلان عن الانتحار في شبكات التواصل الاجماغي عاديا، وينشر اليأس باضطراد على مواقع التواصل تعبيرًا عن إدانة الخزي والعار  أكثر من إدانتها لعالم يتسم بغياب الوعي، كما لو أن هذه الشبكات أصبحت هي الغيرية الوحيدة القادرة على سماع صرخاتنا الصامتة.

تقول الكاتبة: إن مجتمعنا مريض بفرديته الفائقة وهو ما يعبر عنه الإحساس العميق بالعزلة، وهو ما يتجسد في التخلص من الذاتية ويكون السيلفي داخلها هو الوجه الرمزي. كما أن عصر الافتراضي خلخل علاقتنا مع الموت، كانت الألعاب الالكترونية هي التي مدتنا بإمكانية القتل والانبعاث، أو أن نحيا حيوات متعددة، العلاقة مع الموت تظل عنفا ضد الذات، وقد تختفي في شكل لعب مباشر غايات أخرى غير تلك الخاصة باللعب الحربي.

تختتم غودار كتابها بالتأكيد على أن تأثير العالم الافتراضي وسطوته لن تتراجع، لكن وعيًا بأوجهه السلبية ينبغي أن يكون حاضرًا على الدوام، وفي سبيل ذلك علينا أن نقبل العمل جميعا كي نعطي وجها لروابطنا الإنسانية ومعنى جديد لإنسانيتنا، من ثم تشدد الكاتبة على  أهمية التركيز على إيتيقا الافتراضي لمعالجة تبعات التقني والعلمي وتأثيره على الجانب الإنساني فينا، بما يقينا من الشطط الاستلابي والاستهلاك المُفرط للافتراضي.  

هذه المادة بالتعاون مع صحيفة العرب اللندنية