المزيد  
ستة أسباب رئيسية تدفع بتوقعات سلبية للأزمة السورية في 2018
2017عام الانكسارات والتراجع العسكري لفصائل الثورة السورية
الدراما السورية في 2017.. مسلسلات الأجزاء في الصدارة وابتعاد عن تناول الأزمة
هكذا تعاملت إسرائيل مع الملف السوري في 2017.. وتوقعات بتدخل مباشر في 2018‎
تنظيم الدولة يسيطر على ثلاثين قرية في ريف حماة ويتقدم نحو مدينة إدلب
في الذكرى الخامسة لرحيله.. ما زالت كلماته دامغة في وجدان السوريين
عام هزائم تنظيم البغدادي.. داعش يتلقى ضربات موجعة في 2017
بالصور والفيديو: عام الأحداث الساخنة.. هذا أبرز ما حدث في 2017

فراس السواح.. المفكر في مخبئه

 
   
10:43


فراس السواح.. المفكر في مخبئه

"في زمن القتلة والجنون الجماعي لأمة بأكملها، تنسحب الحكمة إلى مخبئها، ويغدو صوت الحق مثل نهيق حمارٍ تائهٍ في الصحراء لا يسمعه أحد. لذا، فإن العاقل ينكفئ على نفسه ويختار الصمت".. هكذا أعلن المفكر السوري عقب اندلاع الصورة السورية بشهور انسحابه من الحديث عما يحدث في وطنه سوريا بعدما وجه بسيل من الانتقادات وصلت إلى وضعه ضمن قائمة العار المناهضة للثورة.

كان موقف المفكر السوري مخيبًا لآمال السوريين الذين انتظروا من مفكر أثرى الساحة الثقافية بكتابات تناهض التفكير غير العقلاني أن يكون من صفوف الثوار أو على الأقل المدافعين عنها إلا أن مقال له نشره على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" بعنوان "الثورة المخترقة"، ودعوات من قبله للوقوف بوجه الثورة باعتبارها أحداث طائفية والدعوة للعزوف  مؤقتا عن الانضمام للمظاهرات استجابة لوعود بشار الأسد بإصلاحات ديمقراطية، كل ذلك كان كافيًا لأن توجه إليه الكثير من أصابع الاتهام والازدراء.

موقف المفكر السوري مخيبًا لآمال السوريين الذين انتظروا من مفكر أثرى الساحة الثقافية بكتابات تناهض التفكير غير العقلاني أن يكون من صفوف الثوار

في مقاله الذي نشر على "فيس بوك قال السواح: " عندما اندلعت حركة الشباب المثقف في سورية، تلك الحركة التي أكدت لي أن الحيوية التي عُرف بها الشعب السوري عبر تاريخه لم تمت إنما كانت كجمرٍ تحت الرماد يوشك أن يكون له ضرام، وحلمت بحركةٍ شبابية على مساحة الوطن تعيد خلق المعارضة السياسية ابتداءاً من الشارع لا من جلسات النخب السياسية المثقفة. ولكن سرعان ما تبين لي أن هذه الحركة، (أو الثورة كما يفضل أهلها أن يدعونها) التي قدحت الشرارة الأولى لاحتجاجات الشارع، مطالبةً بالإصلاح السياسي والاقتصادي، قد ولدت مُخَتَرَقة. وهذا الاختراق جاء من عدة جماعات تبعت الشباب المثقف إلى الشارع متسترة بمطالبه" ثم تبع مقاله بالحديث عن اختراقات لما أسماها بـ"الحركة الشبابية" جاءت من قبل الأصوليات الإسلامية، و حركة الاحتجاجات ذات المطالب المعيشية، وثقافة الثأر المتأصلة في السيكولوجية العربية، وتحرك جماعات المراهقين.

فراس السواح، باحث ومفكر سوري في الميثولوجيا وتاريخ الأديان، ولد في حمص عام 1941. حصل على شهادة البكالوريوس في الاقتصاد عام 1965 من جامعة دمشق، ونشر أبحاثه الأولى في مجلة الآداب اللبنانية عام 1960. له عدد من المؤلفات الهامة من أبرزها: كتابه الأول والتأسيسي"مغامرة العقل الأولى . دراسة في الأسطورة" 1978، و"لغز عشتار. الألوهة المؤنثة وأصل الدين والأسطورة" 1985. "كنوز الأعماق. قراءة في ملحمة غلغامش" 1987. "الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم" 1989. "دين الإنسان. بحث في ماهية الدين ومنشأ الدافع الديني" 1994. "آرام دمشق وإسرائيل. في التاريخ والتاريخ التوراتي" 1995. "الأسطورة والمعنى: دراسات في الميثولوجيا والديانات المشرقية" 1997. "موسوعة تاريخ الأديان" تتألف من خمسة أجزاء 2004. "الإنجيل برواية القرآن" 2011.

في مجال التاريخ يركز السواح في كتاباته حول تاريخ فلسطين القديم الذي خاض في بحثه عن حقائق الإدعاءات المتعلقة بشعب اسرائيل مشوارًا فكريا طويلًا تولد اهتمامه به في سياق بحثه العام عن تاريخ الدين. في مجال الميثولوجيا وتاريخ الأديان كتب السواح دراسات قيمة لا تزال من أهم المراجع في هذا المضمار.

في أحد الحوارات معه تحدث السواح عن بدايات اهتمامه بدراسة الميثولوجيا وتاريخ الأديان بقوله: "كان الدين بمثابة الإطار الذي استوعب حكمة الإنسان منذ أن اتخذ شكله البشري الذي نحن عليه، فما من منظومة معرفية نشأت إلا داخل هذا الإطار. وهذا ما جذبني منذ البداية إلى دراسة أديان الإنسان. فأن تعرف الإنسان وتاريخه الفكري عليك بالاطلاع على أديانه، وبشكل خاص على أساطيره التي كان يرى من خلالها إلى العالم قبل نشوء الفكر الفلسفي المستقل عن الدين، وذلك في مرحلة متأخرة من تاريخ البشرية الطويل".

أفاد السواح من دراسة تاريخ الدين في إداراك مدى التسامح بين الطوائف والأديان التي كانت تقبل بعضها بعضًا بشكل تلقائي، موضحًا في حوار سابق له أن كل شعب كان له آلهته التي يعبدها وأساطيره التي يؤمن بها مع الاعتراف بوجود آلهة للشعوب الأخرى، وغالبًا ما قام الفاتح المنتصر بالمطابقة بين آلهته وآلهة الشعوب المغلوبة معتبرًا أن الفرق بين هذه الآلهة ليس إلا فرقًا في الأسماء لا في الجوهر". من ثم يلفت السواح إلى أن الدين ظاهرة ثقافية، وكل دين ينشأ في حاضنة ثقافية معينة تطبعه بطابعها، وبالتالي علينا أن نعترف بتنوع الأديان مثلما نعترف بتنوع الثقافات. وكما أننا نرفض اليوم سيادة ثقافة معينة على العالم، علينا أيضًا أن نرفض سيادة دين واحد، فكلها طرق تؤدي إلى الله، وإشكال متنوعة تقود إلى معرفته.

مغامرة العقل الأولى

في كتاب مغامرة العقل الأولى ينطلق السواح في تقديم الأساطير المعروفة في سوريا القديمة وبلاد الرافدين من خلال النصوص الكاملة لها، واعتمد على جمع عدد من الأساطير وفق موضوعاتها بغية تفسير موضوعها من خلال النظر إليها في وحدتها الموضوعية، كما انطلق السواح في كتابه بمقارنة شاملة مع كتاب التوراة العبرانية، فيما يتعلق بالنصوص الأسطورية الواردة فيه، وذلك لإظهار، مدى اعتماد الثقافة اليهودية على الثقافة السورية والبابلية في صياغة أهم مرجع ديني وثقافي لدى الشعب اليهودي، مظهراً علاقة الأساطير السورية والبابلية بأساطير الشعوب المجاورة كالمصريين والإغريق، متتبعاً ما أمكنه ذلك الأصول الشرقية للأساطير الإغريقية. اقتصر بحث السواح على سوريا وبلاد الرافدين لأسباب ثلاثة يوضحها الباحث: الأول هو الوحدة الثقافية القائمة في هذا الجزء من المنطقة، هذه الوحدة الثقافية القائمة في هذا الجزء من المنطقة، هذه الوحدة هي التي تعطي لأي بحث يدور حولهما طابع الانسجام والتكامل. والثاني راجع لاتساع الموضوع وتشعبه، مما لا يسمح بدراسة وافية لميثولوجيا الشرق القديم في كتاب واحد ومن قبل مؤلف واحد. أما السبب الثالث فهو يرجع إلى ميل الباحث إلى آداب هذه المنطقة، وولعه بتاريخها وتراثها.

يرصد السواح سياق تشكل الفكر الأسطوري بقوله:"عندما انتصب الأنسان على قائمتين رفع رأسه الى السماء ورأى نجومها وحركة كواكبها، وأدار رأسه فيما حوله فرأى الأرض وتضاريسها ونباتها وحيوانها، أرعبته الصواعق، وخلبت لبه الرعود والبروق، داهمته الأعاصير والزلازل والبراكين ولاحقته الضواري، رأى الموت وعاين الحياة. حيرته الأحلام ولم يميزها تماماً عن الواقع، ألغاز في الخارج وأخرى في داخله. غموض يحيط به أينما توجه وكيفما أسند رأسه للنوم تعلم استخدام اليدين وصنع الأدوات، وفي لحظات الأمن وزوال الخوف، كان لدى العقل متسع للتأمل في ذلك كله. من أين أتينا؟ لماذا نعيش؟ ولماذا نموت؟ لماذا خلق الكون وكيف؟ إلى آخر ما هنالك من أسئلة طرحت نفسها عليه. كان العقل صفحة بيضاء لم ينقش عليها شيء،  عضلة لم تألف الحركة خارج نطاق الغريزة، وبعد حدود رد الفعل، ومن أداته المتواضعة هذه، كان عليه ان يبدأ مغامرة كبرى مع الكون، وقفزة أولى نحو المعرفة، فكانت الأسطورة، وعندما يئس الإنسان تماماً من السحر،كانت الأسطورة كل شيء له تأملاته وحكمته، منطقه وأسلوبه في المعرفة، أداته الأسبق في التفسير والتعليل، أدبه وشعره وفنه، شرعته وعرفه وقانونه".

لغز عشتار

في كتابه الهام "لغز عشتار- الألوهة المؤنثة وأصل الدين والأسطورة"  يقدم دراسته حول أسطورة الإلهة عشتار عبر محاور عدة ناقش فيها السواح صفات أسطورة عشتار واصلًا إلى استنتاجات مهمة تتعلق بوجوه هذه الأسطورة.

يتطرق السواح للحديث عن وقائع الحياة في المجتمع الأمومي القديم في كتابه قائلًا: "في المجتمع الأمومي، أسلم الرجل قياده للمرأة، لا لتفوقها الجسدي بل لتقدير أصيل وعميق لخصائصها الإنسانية وقواها الروحية وقدراتها الخالقة وإيقاع جسدها المتوافق مع إيقاع الطبيعة. فإضافة إلى عجائب جسدها الذي بدا للإنسان القديم مرتبطاً بالقدرة الإلهية،كانت بشفافية روحها أقدر على التوسط بين عالم البشر وعالم الآلهة،فكانت الكاهنة الأولى والعرافة والساحرة الأولى. بهذه الأسلحة غير الفتاكة، مضى الجنس الأضعف قوة بدنية فتبوأ عرش الجماعة دينياً وسياسياً واجتماعياً، وأمام هذه الأسلحة أسلمت الجماعة قيادتها للأمهات. ولقد عزز الدور الاقتصادي للمرأة مكانتها هذه. فلقد كانت بحق المنتج الأول في الجماعة، لكونها المسؤولة الأولى عن حياة الأطفال وتأمين سبل العيش لهم. كانت المرأة مسؤولة عن تحضير جلود الحيوانات وتحويلها إلى ملابس ومفارش وأغطية، وكانت النساجة الأولى والخياطة، وأول من صنع الأواني الفخاري. وبسبب قضائها وقتاً طويلاً في البحث عن الجذور والأعشاب الصالحة للأكل تعلمت خصائص الأعشاب السحرية في شفاء الأمراض، فكانت الطبيبة الأولى. وكانت من يبني البيت ويصنع أثاثه،و كانت تاجرة تقايض بمنتجاتها منتجات الآخرين. ومن وجود شعلة النار المقدسة في معابد الحضارات المتأخرة وقيام عذراوات االمعبد بحراستها وإبقاءها مشتعلة، نستطيع الاستنتاج أن شعلة النار الأولى قد أوقدتها المرأة وكانت أول حارس عليها حافظ لأسرارها. وأخيراً توجت المرأة دورها الإقتصادي الكبير باكتشاف الزراعة ونقل الإنسان من مجتمع الصيد إلى مجمع إنتاج الغذاء بينما حافظ الرجل طيلة هذه المرحلة على دوره التقليدي في الصيد والتنقل بحثاً عن الطرائد الكبيرة".

دين الإنسان

قدم السواح في كتابه "دين الإنسان: بحث في ماهية الدين ومنشأ الدافع الديني" عبر سبعة أبواب بحثًا حول منشأ الدوافع الدينية: مسائل أولية في المصطلح والتعريف، بنية الدين، الأشكال الاجتماعية للدين ومستوياته الشمولية، المعتقد، أو بنية الحدّ الأدنى للظاهرة الدينية، المعتقد وبنية الحدّ الأدنى، المطلق ونسبية الآلهة في معتقدات الشرق الأقصى، نتيجة ومدخل جديد، الوعي والكون كلانية الوجود في الفيزياء الحديثة ومنشأ الدافع الديني.

يقول السواح في كتابه: "إن ما أود التوكيد عليه هنا هو أن الدين والفكر الديني ليس مرحلة منقضية من تاريخ الفكر الانساني، بل هو سمة متأصلة في هذا الفكر، وإن كانت هذه السمة قد أعلنت عن نفسها زمناً قبل غيرها، فكان الدين مصدراً بدئياً للثقافة الانسانية، فإن كل المؤشرات تظل على أنه مازال حياً ومؤثراً بطريقة لا يمكن تجاهلها، وبهذا لن يتسنى لنا أبداً فهم الحاضرالفكري الغني للإنسان، إذا نحن أبقينا على هذا المصدر البدئي والمحرض الدائم في دائرة الظل، أو تابعنا النظر إليه بمفهوم عضرالتنوير الأوروبي، باعتباره لغزاً أو فوضى فكرية مرتبطة بطفولة الجنس البشري".